كما يتم استعمال عبارة "الرد المفرط" عسكرياً عند استعمال اي دولة القوة العسكرية المبالغ بها للرد على حدث معيّن قامت به دولة اخرى، تم استعمال العبارة نفسها عند التعليق على الخطوات السعوديّة بحق كندا. بداية القصة بدأت حين اعتقلت السعودية ناشطين، وغرّدت الخارجية الكندية منتقدة الخطوة ومطالبة بالافراج عنهم، لترد السعودية بسلسلة خطوات لا تتناسب ابداً مع الحدث فتطرد السفير الكندي من الرياض وتستدعي ممثلها في اوتاوا، وتمنع رعاياها من متابعة الدراسة او متابعة العلاج او اكمال الاستثمارات هناك...

في المبدأ، يستغرب المرء هذه الخطوات -التي لم ينجح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير تبريرها باعتباره ان كندا "ارتكبت خطأ وعليها اصلاحه"- ويسأل عما يمكن ان تخسره كندا من هذه القرارات، لان هذه الدولة اكثر تطوراً وازدهاراً وتقدماً من السعودية، ولكن الخسارة تنحصر بالشأن الاقتصادي والمالي، إذ ان السعوديين يصرفون الاموال في الخارج، ويعقدون صفقات بمليارات الدولارات مع الدول، والخسارة الثقافية والتربوية والصحية يمكن تعويضها عبر التوجه الى دول اخرى.

وفي رؤية منطقية للوضع القائم، يمكن شرح القرارات السعودية بأنها اولاً استغلال لوضع قائم حيث تعتبر كندا بالنسبة الى الاويات المتحدة حالياً في موقع غير مريح، والهجوم عليها لن يولّد ردة فعل اميركية عنيفة بل انعكس تأييداً اضافياً للرياض، كما ان الاوروبيين لن يفرّطوا بمصالحهم مع السعودية من اجل الوقوف الى جانب بلد بعيد عنهم. وفي الوقت نفسه، تكون السعودية قد عززت صورتها بحيث انها هاجمت بلداً غربياً وافلتت من أيّ ردّ فعل سلبي، وارسلت رسالة قوية للداخل والخارج مفادها انها لن تتهاون في ردع اي انتقاد للخطة التي ينفّذها ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، والتي مهّد لها بجولة اميركية واوروبية وببعض الاجراءات "الشبابيّة" داخل المملكة.

اضافة الى ذلك، فإن المسار الذي يتبعه ولي العهد ينبىء بأن "البريسترويكا" الخاصة به لن تدع مجالاً للمعارضة، فهناك الكثير من الاصوات تعلو داخل السعودية وتشتكي من سياسة "كمّ الافواه" العلنية والخفية، وكأن الهدف هو الهاء الشباب ببعض التغييرات الاجتماعية التي تبعدهم عن التفكير بتحسين اوضاعهم غير الترفيهيّة، أكان على صعيد الحقوق السياسية والاجتماعية والمالية... وما يعزّز هذه المقاربة، هو ان ما قام به الامير محمد بن سلمان منذ ظهوره العلني على الساحة وحتى اليوم، لم يسبقه اليه احد فهو ان عمل على اعطاء المرأة حق القيادة، وفتح الابواب امام دور السينما والمهرجانات الغنائية، الا ان احداً لم ينس اعتقاله للعشرات من الامراء لـ"استرداد الاموال منهم" علماً انهم لم يخضعوا لمحاكمة، وبالتالي كان الهدف واضحاً في هذا السياق من ان الغاية هي الاموال فقط وليس محاربة الفساد، ومسارعته لتأمين "الحماية" الاميركية والاوروبية (وخصوصاً بريطانيا) دليل اضافي على انه كان عازماً على عدم خضوعه لاي نوع من المحاسبة في هذا الشأن، وهو ركّز على هدف ناجح اميركياً وهو ايران، بعد ان تعثّر في تطويق قطر التي لم تلتق رؤيته مع الرؤية الاميركية حولها، فكان عدم نجاحه في هذه الخطوة هو وللسخرية، الداعم الرئيسي الذي يعتمد عليه أي الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي لم يتخلّ عن قطر واموالها.

اليوم، تقف كندا امام مشهد لامبالاة دولية في مسألة لطالما تم استخدامها للاطاحة بأنظمة او كعذر ووسيلة للتدخل عسكرياً او فرض عقوبات على بلد لا يحترمها، وهي مسألة حقوق الانسان. ومن المتوقع ألاّ تتراجع كندا وتقدم اعتذارها، لان السلطة فيها شابّة وتؤمن بالتغيير الحقيقي من جهة، كما ان أيّ تراجع من قبلها سيقوّض موقفها في المستقبل تجاه مسائل تتعلق بحقوق الانسان او بمواضيع اخرى، لانها ستبدو وكأنها رضخت للشروط السعودية ويمكن ان يتكرر السيناريو نفسه مع دولة اخرى، فتفقد كندا صورتها وصوتها واهميتها على الساحة الدولية.