لم يأت كلام رئيس الحكومة المكلّف بالتأليف سعد الحريري عن عشرة أيام للولادة الحكومية من فراغ. كان يستند "الشيخ سعد" الى أجواء إقليمية أتاحت تحريك الملف الحكومي العراقي، فإنعكست الإيجابية على لبنان، بعد أن كانت الطرق التي توصل الى السراي الحكومي مسدودة، فإندفع وقتها رئيس حزب "القوات" سمير جعجع الى تسويق طرح ضخّ الدمّ في شرايين حكومة تصريف الاعمال، من دون قبول بعبدا بالطرح القواتي.

الحريري إنطلق ايضاً في تحديده الإطار الزمني من معطيات لمسها في بعبدا، برغبة رئيس الجمهورية ميشال عون بت الملف الحكومي الآن، لأن لبنان لم يعد يحتمل، لا سياسياً، ولا معيشياً، ولا إقتصادياً، الجمود في عمليّة التأليف، ورمي البلد في مساحة الإنتظار المخيف.

كان الحريري يعلم أن مجرد توجه رئيس الجمهورية الى فكفكة العقدة القواتيّة، بالقبول العوني بإعطاء معراب نائب رئيس الحكومة، يعني أنها تمضي بترجمة الرغبة بإستيلاد حكومة قريباً. بذلك، يكون عون سهّل للحريري ما عنده، على أن يتكفّل رئيس الحكومة المكلّف حل باقي العقدة القواتية.

لكن، فجأة إرتفع صوت وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل، معترضاً على مسار التأليف، بتأكيده ان لا شي تغيّر بعد، ولا إيجابية عملية تُرصد، وأن المطلوب اعتماد معايير واضحة لتمثيل القوى في الحكومة الجديدة، طارحاً معادلة وزير لكل خمسة نواب. وهذا يفسّر ليس اعتراض باسيل على حصة "القوات"، بقدر ما هو مطالبة برتقالية برفع حصة تكتل "لبنان القوي" الى حدود ستة وزراء، الى جانب خمسة وزراء لرئيس الجمهورية، ليصبح العدد ١١ وزيراً، يستطيعون وحدهم التحكّم بمسار الحكومة، من خلال الثلث زائد واحد. فمن يقبل بهذا الطرح؟ لم يُسجّل أن فريقاً واحدا في البلد، بمن فيهم حلفاء التيار "الوطني الحر" يؤيدون تلك المطالبة البرتقالية. هذا ما بقي عالقاً يمنع الولادة الحكومية السريعة.

ما فُهم من كلام الحريري الخميس الماضي أنه لن يقبل بإعطاء وزير سني لغير رئيس الجمهورية، والرئيس عون له الحرية في تسمية وزير محسوب على "المعارضة السنية" أو من يشاء من الشخصيات السياسية او المستقلة. ما يعني أن الحريري يتنازل فقط عن مقعد سني واحد لا غير، يطالب به عون ان يكون من حصته. وهذا احد عناوين التباين القائم بشأن تأليف الحكومة، بعد إصرار قوى "٨ آذار" على تمثيل "المعارضة السنية" بوزير.

أما الأمر الآخر الذي فهم من حديث الحريري، فإنه لا زال يحاول عدم إعطاء "حزب الله" حقيبة الصحة، بعد استحضاره مسألة العقوبات الاميركية وحرمان تلك الوزارة من مساعدات أميركيّة محتملة، في حال كانت من حصة الحزب. لا يعني كلام الحريري عن "الصحة" رفضاً قاطعاً، بقدر ما يعني تلويحاً برغبته استبدال تلك الحقيبة للحزب بأخرى لا ترتبط بدعم أميركي.

تلك هي عقبات بتّ الملف الحكومي، فقط لا غير. لكن ماذا عن العقد الأخرى؟

يقول مطّلعون ان العقدة الدرزيّة باتت جاهزة للتفكيك، بعد الإيجابية التي ابداها رئيس الحزب "التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط، في تغريدة مبشّرة بتنازل إشتراكي مبني على قاعدة "إستبعاد توزير رئيس الحزب الديمقراطي طلال ارسلان شخصياً، والاستعداد لتسمية بديل منه". علماً أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سبق وتعهد بحلّ العقدة الدرزيّة بعد بتّ المعنيين بالعقد المسيحيّة، وهو موضع ترحيب جنبلاط الدائم، ليبقى موقف ارسلان رافضاً، علماً أن العلاقة بين عين التينة وخلدة إهتزّت بعد تعمّد ارسلان استفزاز بري في الانتخابات النيابيّة الماضية، رغم محاولة رئيس المجلس النيابي السعي لإقناع "المير طلال" وقتها، بمؤازرته لخوض منافسة انتخابيّة تؤمّن له مقعدين، بالحد الأدنى، من دون منّة أحد، بدل ترؤسه كتلة من اربعة نواب، لا يملك فيها الاّ قراره وحده، ولا يمون على النواب الثلاثة الآخرين الملتزمين بسياسة "الوطني الحر".

كل ذلك، يترك الباب الحكومي مفتوحاً على مصراعيه، لإعلان حكومة قبل انتهاء مهلة الايام العشرة التي ذكرها الحريري، أو بعدها بأيام معدودات. لكن التفاؤل المستند الى معطيات اقليميّة وداخليّة، قد تتأخر ترجمته، إلى حين إقناع باسيل أن لا قبول بمطالبته بأحد عشر وزيراً، لأن كل القوى ترفض أن يمسك وحده بقرار الحكومة، بل يتشارك مع الآخرين، ضمن صيغة ثلاثة عشرات: عشرة وزراء لرئيس الجمهورية والتيار "الوطني الحر"، وعشرة وزراء لتيار "المستقبل" و"القوات"، وعشرة وزراء لـ"حركة امل" و"حزب الله" و"التقدمي الاشتراكي"، و"المردة".