في وقت تستباح فيه دماء شباب وشابات ​فلسطين​ على أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي التي شرّعت الترخيص باغتيال شباب فلسطين غيله لتبقى أجسادهم ملقاة على قارعة الطريق مضرجة بالدماء السارحة على أرصفة فلسطين وفي شوارعها وأزقتها لتغسل عار الخيانة والتواطؤ العربي الفاضح على فلسطين وشعبها، وفي وقت قرر فيه الفلسطينيون الانتفاض معلنين رفضهم مشروع «صفقة القرن» المذلة يواجهون فوهات بنادق قوات الاحتلال الإسرائيلي بصدور عارية دفاعاً عن حقوقهم المشروعة وتعبيراً عن تمسكهم بأرضهم رغم الحصار الإسرائيلي الجائر المفروض على ​الشعب الفلسطيني​ ومعاناته اليومية من الحرمان والجوع والظلم وعلى مرأى من العالم وبتواطؤ عربي فاضح.
تزامناً مع كل ما تقدم، ها هي دولة ​الإمارات العربية​ تمنح وزيرة رياضة العدو الإسرائيلي، ​ميري ريغيف​، والوفد الإسرائيلي المرافق، تأشيرة دخول إلى ​أبو ظبي​ الشيخ زايد، للمشاركة في بطولة الجائزة الكبرى برياضة الجودو، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق مع دولة الإمارات العربية بأن تسمح للرياضيين الإسرائيليين بالمنافسة واستخدام ورفع علم إسرائيل وعزف النشيد الإسرائيلي على أرض الإمارات العربية.
وها هي سلطنة عُمان تشرع أبواب قصر السلطان قابوس في بيت البركة لتستقبل رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته استقبالاً حاشداً مترئساً وفداً إسرائيلياً رفيعاً في مجال المخابرات من رتب عسكرية رفيعة المستوى بغرض إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية في معسكر «دقم» في منطقة ظفار العُمانية حيث تتمركز أكبر قاعدة عسكرية بريطانية في ​الشرق الأوسط​، أما الهدف فهو ​التجسس​ على ​إيران​ القريبة وحماية ​مضيق هرمز​ حيث مرور 48 بالمئة من نفط العالم.
وها هي قطر تتعاون مع العدو الإسرائيلي أمنياً وتكنولوجياً وفتحت لهم مكاتب محمية أمنياً في العاصمة ​الدوحة​ كما أنها أدمنت على تبادل الزيارات بين تل أبيب والدوحة منذ سنوات مندفعة نحو تحقيق بيع أرض فلسطين وحق الفلسطينيين بالعودة بالتقسيط المريح وتطبيق مبدأ التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
وها هي مملكة البحرين تتقدم لتعلن وبوضوح تام أن لإسرائيل الحق التاريخي بأرض فلسطين وأن هذه الأرض هي أرض الميعاد الإسرائيلي، أما الفلسطينيون فهم قوم طارئ لا يحق لهم العيش على أرض فلسطين إلا بإذن إسرائيل.
أما المملكة ​السعودية​ فهي عرابة التطبيع مع العدو الإسرائيلي بعد أن سمحت لأفراد من العائلة المالكة باللقاء مع المسؤولين في كيان العدو ومصافحتهم، وحتى السعودية نفسها سبق لها أن سمحت لشخصيات سعودية رفيعة بزيارة الكيان الصهيوني للاجتماع مع شخصيات إسرائيلية في تل أبيب بهدف التنسيق العسكري والسياسي معلنة عن فتح مجالها الجوي أمام ​الطائرات الإسرائيلية​ الحربية منها والمدنية مستخدمة المجال الجوي السعودي للعبور والتجسس العسكري وآخرها كان عبور ​طائرة​ بنيامين نتنياهو باتجاه البحرين وصولاً إلى سلطنة عُمان ذهاباً وإياباً.
إذن دول ​الخليج​ أضحت جامحة نحو إتمام تنفيذ «صفقة القرن» والتخلي عن ​القضية الفلسطينية​ فكشفت عن عورتها بارتكابها الفاحشة بحق فلسطين من خلال تطبيع العلاقة مع العدو الإسرائيلي ومد يد العون لهذا الكيان من دون تستر أو تخف، فاختارت القفز من مركب الحق العربي لتركب في قارب الاغتصاب الإسرائيلي بقيادة أميركية لو أدى ذلك للغرق بالفضيحة والهلاك.
إن إسرائيل التي تعودت التباهي بإمكاناتها العسكرية والتبجح بالاعتداء على أوطاننا العربية واحتلالها عواصم ومطارات عربية بعد تدمير بناها التحتية، صارت في العام 2000 إسرائيل الضعيفة خصوصاً بعد انسحابها من جنوب ​لبنان​ مجرجرة أذيال الخيبة جراء ضربات ​المقاومة​ اللبنانية المدعومة من سورية وإيران.
إسرائيل الضعيفة هذه قررت في العام 2006 وبالاشتراك مع عرب الخليج رد الاعتبار لصورة إسرائيل القوية، فكانت ​حرب تموز​ الإسرائيلية بالاعتداء على كل لبنان بهدف القضاء على المقاومة اللبنانية والانتقام منها، فكانت النتيجة أن إسرائيل القوية المعتدية المنتقمة تحولت لأول مرة في تاريخها فأضحت إسرائيل المهزومة المذهولة المصدومة جراء صمود المقاومة وتكبيد جيش العدو الإسرائيلي هزيمة نكراء وباعتراف أجهزة العدو الإسرائيلي نفسها، فإسرائيل التي تُخيف صارت تَخاف، وإسرائيل التي تُرعب، صارت مرعوبة تعيش حالة من الرعب والخوف الدائم من نتائج أي حرب مستقبلية تهدد وجودها وتلغي حدودها.
إن ​إسرائيل اليوم​ تعاني اهتراء في هزالة الجبهة الداخلية، فالخوف والهلع يدفعان بجنود ​الجيش الإسرائيلي​ إلى التمرد والتمنع عن الالتحاق بالوحدات العسكرية القتالية مفضلين ​الخدمة العسكرية​ خلف أجهزة الكمبيوتر وفي المكاتب، حسب آخر دراسة أجراها مركز دراسات تابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
إن إسرائيل المرعوبة ولأول مرة في تاريخها أدركت أن استمرار وجودها بات في أزمة حقيقية ولم تعد قادرة على خوض أي حرب بهدف توسعة حدودها خصوصاً بعد نجاح سوريه في إفشال كل المشاريع الإسرائيلية الهادفة للنيل من تماسك وقوة الجيش العربي السوري ومحاولات تفتيت الأرض السورية، بيد أن قرب الإعلان عن انتصار سورية واشتداد عضد محور المقاومة في توحيد الجبهات الممتدة من الجولان حتى ​الناقورة​ في لبنان وصولاً إلى غزة في فلسطين بدعم سوري إيراني مباشر وجدت إسرائيل نفسها مقحمة في مواجهة معادلة جديدة ومعقدة.
إن إسرائيل المرعوبة من خوض أي حرب مستقبلية خوفاً على وجودها، وجدت نفسها محاطة بعوامل ومتغيرات عدة لا تصب في مصلحة استمرارها ككيان غاصب وغريب، فاختارت اللجوء إلى الخطة (ب) للتقليل من خسائرها، فقررت الاستنجاد بعرب الخليج وإظهار مدى العلاقات الطبيعية وترابط الأهداف بينها وبين تلك الأنظمة وإخراج العلاقة معهم إلى العلن وعلى الملأ، أما ملوك وسلاطين وأمراء عرب الخليج فما كان منهم إلا أن فتحوا أبواب قصورهم لكاره العرب وقاتل الفلسطينيين نتنياهو، واستقبلوه استقبالاً يليق بحكمتهم المبنية على الخيانة والغدر بفلسطين و​القدس​ وب​العروبة​ وبكل من تمسك بمبدأ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ليصبح الكيان الصهيوني دولة طبيعية في ​الشرق الأوسط الجديد​ بحماية أنظمة الخليج.
هل إن كل ما جرى ويجري يصب في إطار السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل أم إنه استسلام عربي لإسرائيل؟
نستطيع القول إن اتفاق ​كامب ديفيد​ الخبيث واتفاق أوسلو المذل واتفاق وادي عربه اللعين، جلها اتفاقات لم تأت بالسلام بأي حال، بل نتج عنها تفكك الموقف العربي وانحراف البوصلة عن فلسطين وبروز الثورات العربية متسترة بالإسلام السياسي الذي جلب لبلادنا العربية الكوارث والدمار والخراب باسم «الربيع العربي».
ومع ظهور تواطؤ أنظمة الخليج لتنفيذ «صفقة القرن» وتخليهم عن فلسطين، برزت نيّة التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة لتؤكد انقسام العرب بين عرب أنظمة مصر و​الأردن​ وعرب الخليج الذين قرروا الاستسلام لإسرائيل واختاروا المهانة هوية والمذلة عنواناً، وبين عرب اختاروا التمسك بفلسطين وبالهوية العربية راية والقومية انتماء بقيادة سورية العروبة عنواناً للكرامة العربية.
للتاريخ والأجيال نقول: إن من تخلى عن فلسطين تخلى الله عنه وأذله ومن أعز فلسطين أعزه الله ونصره.