تتشعب العقد فيتأخر تشكيل الحكومة، وكل مرة يركن القرار إلى إعتماد الوسطية حلاً للعقد. فالأجواء المواكبة لتشكيل الحكومة اللبنانية توحي أن عملية التسويات للعقد التي تواجهها أنتجت شخصيات هجينة مرشحة للتوزير كحلّ وسط، وهي شخصيات ملوّنة لا يمكن الإرتكاز عليها في المفاصل الأساسية التي قد يواجهها البلد، علماً أن التحديات المقبلة مفصلية.

فعلى سبيل المثال، توزير أي شخصية سنية "معتدلة" كحلّ لعقدة السنة المستقلّين المنضوين في إطار اللقاء التشاوري سينتج وزيراً ملوناً لا يمكن التكهّن بقراره في الأحوال المصيرية، ويمكن إختراقه من قبل تيار المستقبل وإغراؤه من قبل المملكة العربية السعودية، أو الضغط عليه بالقوة، وهذا ما يشغل بال حزب الله الذي يحتاج في هذه المرحلة إلى وزراء موثوقين أصحاب موقف واضح ومبدأ راسخ، خصوصاً أن هذه الحكومة ستواجه قرارات عدة، يبقى أبرزها تأثيرات العقوبات الأميركية على إيران وعقوبات على شخصيات لبنانية من حزب الله ومن حلفاء الحزب أيضاً.

وكذلك الحال بالنسبة إلى التسوية التي أنهت العقدة الدرزية منذ أسابيع، فقد نصّت هذه التسوية التي رعاها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على إختياره لإسم من لائحة الأسماء التي قدمها رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان، شرط ألاّ يعترض عليه رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط. وحسب المعطيات، عندما عرضت لائحة الأسماء التي قدمها طلال أرسلان إلى رئيس الجمهورية على رئيس الإشتراكي وافق الأخير على إسمين فقط، ورفض الآخرين... فتُرك الخيار لرئيس الجمهورية ليختار إسماً منهما بعد الأخذ برأي أرسلان. وكان النائب السابق وليد جنبلاط متأكداً من أن خيار أرسلان ورئيس الجمهورية سيقع على إسم صالح الغريب بما أن الإسم الثاني لا يفيد أرسلان كثيراً. وجنبلاط كان قد تبلغ مسبقاً من معاونيه أن صالح الغريب قدّم ضمانات ثابتة للحزب التقدمي الإشتراكي وتحديداً للوزير وائل أبو فاعور وللوزير أكرم شهيب، الذي تربطه بالغريب علاقات وطيدة وثابتة. وتقضي هذه الضمانات على ما تشير أوساط في الحزب الإشتراكي بفرملة توسع التيار الوطني الحر في الجبل وعرقلة خططه وعدم الإلتزام بتعليمات حزب الله عندما يطلب منه رئيس الإشتركي ذلك، مقابل موافقة جنبلاط على إسمه وتسهيل تحركاته في الجبل طالما هو ملتزم بالضمانات التي قدمها.

ومع إتضاح هذه الصورة أمام حزب الله، أبدى الحزب إنزعاجه من تسمية وزراء متلونين غير موثوق بهم، وهو يفضل الآن أن يتولّى النائب فيصل كرامي بنفسه المقعد الوزاري عن السنة المستقلين، وأن يتولى النائب طلال أرسلان بنفسه موقع الوزير الدرزي الثالث.

وهنا، يتوقف مراقبون عند التجارب القديمة التي خاضها رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني مع من اختارهم في مراحل سابقة لتولي مواقع قيادية أو مسؤولية رسمية، فينقلون عن مقربين لإرسلان تأكيدهم أن هذه التجارب كانت مخيّبة لللآمال: فالنائب السابق فادي الأعور الذي رشحه أرسلان للمقعد النيابي في قضاء بعبدا وانضوى في كتلته عام 2009 لأشهر، تخلى عن أرسلان عند أول إستحقاق صعب، وكذلك النائب فيصل الصايغ الذي عينه أرسلان محافظاً للجنوب قد تخلى عنه أيضًا عندما أغراه الإشتركي بمقعد نيابي.