رمى رئيس "​التيار الوطني الحر​" وزير الخارجيّ’ في حكومة تصريف الأعمال ​جبران باسيل​ كرة تأليف الحكومة في ملعب رئيسها المكلّف ​سعد الحريري​، بسحب "المقايضة" التي كانت تدور حول مقعدين مسيحي وسنّي. لكن الطرح الذي سبق وأن إقترحه باسيل في لقاءاته، وأعلنه من دارة النائب ​عبدالرحيم مراد​، لن يحلّ الأزمة الحكومية، بإعتبار أن الحريري سيكون مُطالباً وحده بالتنازل عن مقعد سني لمصلحة فريق "٨ آذار".
لن يقبل رئيس تيار "المستقبل" بالطرح التنازلي، مدعوماً بمواقف القوى السنية الفاعلة: تحديداً دار الفتوى، ورئيس الحكومة السابق ​نجيب ميقاتي​. واذا كانت الدار تنسجم منذ عقدين مع سياسات آل الحريري، فإن قرار ميقاتي جاء يحمل مؤشرات عدة:
ابدى ميقاتي انحيازه المطلق الى جانب رئاسة مجلس الوزراء، كي لا يتحوّل أي تنازل بشأنها الى عُرف. فتجاوز ميقاتي كل الملاحظات والعتب الذي سجّله على "الشيخ سعد"، بعد محاربة "المستقبل" لحكومة ودور وسياسات ميقاتي في السنوات الماضية. ليتبيّن أن الأخير هو أشدّ دفاعا عن نفوذ ومصالح السنّة، من الحريري وغيره.
فما حصّلته قوى "٨ آذار" من حكومات الحريري، أكثر بكثير مما أخذته من حكومة ميقاتي.
تلك الممارسات السياسيّة الميقاتيّة، معطوفة على نسبة الأصوات التي نالها تيار "العزم" في ​الانتخابات​ النيابيّة، فرضت تعهّد الحريري بتوزير شخصيّة سنّية يسمّيها ميقاتي في الحكومة العتيدة. وهو ما حاولت قوى في "٨ آذار" تطييره لصالح وزير من صفوفها.
لكن رئيس الحكومة المكلّف يرى في تسمية وزير عن "العزم"، بأنه غنى إضافي للحكومة، يجعل ميقاتي معنياً بنجاح الحكومة داخليّا وخارجيّا.
وبمجرد ان يكسب الحريري تأييد ميقاتي، فهو يجني ثماراً سياسيّة، وشعبيّة، تحديدا في طرابلس، ويجهض أيّ معارضة فاعلة، ستكون موجعة.
يعرف الحريري أن انحيازه الى جانب ميقاتي، بمواجهة "٨ آذار"، يحظى بمباركة عربيّة، خليجيّة، اسلاميّة. لذلك، فهو اختار مصلحته في اشراك ميقاتي، وكسب ودّه، مقابل صد طموحات "٨ آذار".
كما ان وسطيّة ميقاتي، تسمح للحريري بتمثيله حكومياً، بينما يتخندق نواب "٨ آذار" في حلف متين مع "​حزب الله​"، سيضر بمصالح الحريري، ويخفّف من اندفاعته السياسية المتجددة.
لذلك، لن يتنازل الحريري عن أمرين: اولاً، لن يقبل بتمثيل نواب "٨ آذار"، من ضمن حصته الوزارية.
ثانيا"، لن يتراجع عن تمثيل "العزم".
وازاء استمرار الازمة، سيردّ الحريري الكرة من ملعبه، محاطاً بدفاع وهجوم مضاد، يتجسّد الأول بموقف ميقاتي، الذي شجّع الحريري على التصلّب، لما يعتبره دفاعاً عن موقع رئاسة الحكومة، وثانياً، كلام مفتي الجمهورية الشيخ ​عبداللطيف دريان​ الذي يكرّر التأكيد دوماً، على مؤازرته ودعمه لخطوات الحريري.
ازاء الواقع القائم، قد تطول الازمة الحكومية، من دون قدرة الحريري على التأليف في ظل التمترس السياسي القائم، فيدفع البلد كلّه الأثمان الاقتصادية الباهظة، ازاء تغييب الحكومة.