في الوقت الذي لا تزال فيه الكثير من الأسئلة تُطرح حول خلفيات ما حصل في بلدة الجاهلية في الشوف، مساء يوم السبت الماضي، هناك مؤشرات أمنيّة ينبغي التوقف عندها، لا سيما لناحية مسارعة الأحزاب الفاعلة في المنطقة إلى إعلان الإستنفار العام في صفوفها، في مشهد أعاد إلى الأذهان الأجواء التي كانت سائدة قبل السابع من أيار من العام 2008.
على المستوى السياسي، بات من الواضح أن ما قبل حادثة الجاهليّة لن يكون كما بعدها، هذا ما أظهرته المواقف التي تلت الحادثة، وتميزت في إعادة لملمة قوى الثامن من آذار لصفوفها، لا سيما بعد إعلان رئيس "​الحزب الديمقراطي اللبناني​" النائب ​طلال أرسلان​ موقفاً تضامنياً مع رئيس "​حزب التوحيد العربي​" الوزير السابق ​وئام وهاب​، الذي سارع إلى الدعوة لتشكيل جبهة تضم، بالإضافة له ولأرسلان، النائبين السابقين ​فيصل الداوود​ و​فادي الأعور​ و"​الحزب السوري القومي الإجتماعي​"، على خلفيّة موقف رئيس "​الحزب التقدمي الإشتراكي​" النائب السابق ​وليد جنبلاط​، الذي سارع، من بيت الوسط، إلى تأييد العمليّة الأمنيّة.
من هذا المنطلق، تشير مصادر سياسيّة مطلعة، عبر "​النشرة​"، إلى أن هذا الإلتفاف الحزبي، من جانب قوى الثامن من آذار، حول رئيس "حزب التوحيد العربي"، يوحي بوجود قرار سياسيي أتخذ على عجل بمنع الإستفراد به، نظراً إلى ما تحمله العمليّة الأمنية من رسائل سياسيّة واضحة، وتؤكّد بأن هذا الأمر من المفترض أن يترجم في الأيام المقبلة، خصوصاً أن العلاقة مع رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" لم تعد في أحسن حال، بعد أن عمد إلى إرسال أكثر من رسالة على هذا الصعيد في الفترة السابقة.
وتوضح هذه المصادر أن جنبلاط أوحى من خلال تلك الرسائل، التي كانت تحمل على طهران ودمشق، بأن الرجل عاد، بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة، إلى تموضعه السابق، وتذكّر بالزيارة التي كان قد قام بها قبل ذلك إلى المملكة العربية السعودية، وتشير إلى أن معظم القوى المعارضة له في منطقة الجبل وجدت أن لها مصلحة في تجاهل كل خلافاتها، بعد أن لمست وجود قرار لديه في إستعادة زمام الأمور على الساحة الدرزيّة، مع العلم أنه نجح بالفوز في أغلب المقاعد النيابية الدرزية بمساعدة القوى الفاعلة في الثامن من آذار.
على المستوى الأمني، تكشف مصادر مطّلعة، عبر "النشرة"، أنه على هامش حادثة الجاهلية سجّل إستنفار أمني، في الساعات التي تلت، استمر حتى فجر يوم الاثنين، وتلفت إلى أنه كان من الممكن ملاحظته من قبل المتابعين، وتوضح أنه داخل البلدة كان هذا الإستنفار محصوراً بأنصار وهاب، بينما في القرى المحيطة كان الحضوراً لافتاً لأنصار "الإشتراكي"، وتضيف: "هذا الواقع لم تشهده المنطقة منذ أحداث السابع من أيار، لكنه كان فقط في الشوف ولم يمتد إلى باقي قرى وبلدات الجبل"، بينما باقي الأحزاب لم تقدم على أي تحرك ظاهر.
وتشير المصادر نفسها إلى أن "الإشتراكي"، في الساعات الأولى من الحادثة، كان قد عمد إلى إرسال رسالة إلى مناصريه، مفادها أن ما يجري في الجاهلية يخصّ الجيش والقوى الأمنية، وهو بالطبع مع الدولة في قرارها بضبط الأمن ومنع التعدّي على المواطنين وكراماتهم، مؤكدة على ضرورة عدم التدخل "إلا اذا تعرض أحد لنا"، داعية إلى العمل على إبلاغ القوى الأمنية أو مخابرات الجيش فوراً في حال أقدم أي شخص أو مجموعة تابعة لوهّاب بأيّ إستفزاز في قرية ما أو على الطرقات.
على هذا الصعيد، تؤكد هذه المصادر أن حالة التوتر لا تزال قائمة، بحسب ما تظهر التعليقات المتبادلة بين أنصار الجانبين على مواقع التواصل الإجتماعي، بالرغم من المساعي القائمة للتهدئة، لكنها تشير إلى أن أي خلاف فردي اليوم من الممكن أن يتطور بسرعة كبيرة، الأمر الذي من المفترض أن يدفع بالجميع إلى العمل على لملمة الوضع، على أن تُنقل المسألة من الشارع من القضاء.
في المحصلة، فإنّ تداعيات ما حصل في الجاهلية من المفترض أن تدفع بجميع الأفرقاء المعنيين إلى التهدئة، نظراً إلى أن حالة التوتر ظاهرة ولا يمكن إنكارها بأي شكل من الأشكال، خصوصاً أن أغلبهم يؤكد أن "أمن الجبل خط أحمر".