أفادت أوساط دبلوماسية رفيعة مطّلعة عن كثب على سياسة ​روسيا​ في المنطقة، أنّ الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ أبلغ وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان في اللقاء السريع الذي جمعهما على هامش قمّة دول العشرين تأكيد بلاده على أهميّة استقرار الوضع السياسي والأمني والإقتصادي في ​لبنان​؛ في إشارة منه إلى حرص روسيا على ضرورة تشكيل الحكومة اللبنانية بأسرع وقت.
بحسب المجريات الدولية والإقليمية، إنّ الوضع العام في الشرق الأوسط يشهد مرحلة خلط أوراق قد تعيد رسم خارطة طريق جديدة بشأن السياسات القائمة، لا سيّما بما يتعلّق بالعلاقات العربيّة فيما بينها وببعض العلاقات العربية-الأميركية و أيضاً العربية-الروسية.
ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان لن يكون بمنأى عن تلك المتغيّرات، التي ستنعكس تعطيلاً في الداخل قد يمتدّ إلى أكثر من مرفق إضافة لإشكالية تأليف الحكومة.
من الأسباب ما يكمن في ما يلي :
أوّلاً-في الواقع إنّه يصعب على بعض الفرقاء اللبنانيين استيعاب التحوّل الاستراتيجي الدولي الذي ينتج عنه تبدّلٌ في مستوى النفوذ لحلفائهم الدوليين، ما يعكس ارتباكاً في ادارة الشؤون الداخلية.

ثانياً-اقتنع الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بعد فشل "صفقة القرن"، وبعد التخبُّط الخاسر الذي وقع فيه التحالف الدولي في الحرب السورية، وبعد الخسارة الكبرى التي مُنيت بها الادارة الأميركيّة في العراق، بما يبدو أنّ الرئيس الأميركي الأسبق ​باراك اوباما​ عمل عليه قبيل انتهاء ولايته بالاتفاق مع روسيا الاتحادية على تسليمها الجزء الأكبر من سياسة الشرق الأوسط.
لم تقتنع بعض الأنظمة العربية بهذا التغيير؛ ففتحت أبوابها على مصراعيها أمام الرئيس الأميركي الجديد مقدّمة له صفقات بمليارات الدولارات وذهبت حدَّ التطبيع العلني مع ​اسرائيل​، وتبادل الزيارات بين الأركان بهدف شدّ أواصر التحالف مع المحور الأميركي، علّه يبقى النافذ الأوّل في المنطقة فيبقوا هم تبعاً لذلك في موقع القوة. لهذه الأنظمة حلفاء في لبنان يأملون مع آمالهم.
ثالثاً: حصدَ ترامب الإستفادة لبلاده من المليارات العربية. أرضى اللوبي الصهيو-أميركي النافذ ماليا في الولايات المتحدة الأميركية بقراراته بشأن فلسطين. أكمل "سياسة المبيع "sales strategy الذي ينتهجها بإقناع مواطنيه بتبنّي رؤيته لما لها من صالح ومردود مادي، وبدأ ينسحب تدريجيا بتكتيك البائع الجوَّال من الشؤون السياسيّة لحلفائه في المنطقة العربية الملتهبة .
ها هُم الكُرد في سوريا والعراق يعيشون تبدّد حلمهم بالدولة المستقلّة، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يواجه الاتهام بقضية مقتل جمال خاشقحي في ظلّ التباس بالموقف الأميركي. اليمن ذاهب نحو حلّ سياسي يوقف اراقة الدماء وانسحاب الادارة الأميركية من هذا الملف. واللائحة تطول لا سيما في قطر وسوريا والكويت ومصر... بعض الفرقاء اللبنانيين لا يَرَوْن ذلك.
رابعاً-إنّ الحركة التي يقوم بها وليّ العهد السعودي باتجاه الدول العربية، تشير إلى أنّ النظام السعودي يسعى إلى توطيد تحالفاته بجواره ولكن... لا وضوح حتى الساعة بشأن ثمار هذه اللقاءات. وليس ما يشير الى ماهيّة استراتيجيّة المملكة حيال كيفية التعامل مع الملفّ الحكومي اللبناني بعد مرحلة التشكيل (إن تمّت) في ظلّ وجود "​حزب الله​" داخل الحكومة.
خامساً-بالمقابل عما سبق أعلاه، رغم الضغط الذي يُمارس على الجمهورية الاسلامية الإيرانية والعقوبات الأميركيّة المفروضة عليها، تواصل ايران حركتها السياسية، موسعة دائرة حلفائها وأصدقائها بحيث أنها شكّلت مع روسيا شراكة سياسيّة بشأن بعض العواصم العربيّة التي تتخطى سوريا والعراق واليمن ولبنان.

سادساً-في هذه المشهدية، يسعى البعض الى تصوير الشرق الاوسط بأنه يعيش ويُقبل على انقسام محوري بالعمق فيما بين :المحور الأميركي-الاسرائيلي-العربي والمحور الايراني-الروسي-العربي. من هذا المنطلق تنقسم تخالفات الدول الاستراتيجية وكذلك سياساتها. ولكن، في قراءة معمّقة للأحداث العالمية، إنّ المحورين المذكورين أعلاه-على الصعيد السياسي (غير الاقتصادي و العسكري) صُوَريان.
إنّ الشؤون العربية السياسية تسلّمتها روسيا بعدما تقلَّصت الحاجة الأميركيّة للنفط الخليجي. معيار التفاهم ارتكز على المصالح العسكرية والأمنيّة، بحيث أن تقاسم القواعد العسكريّة في المنطقة أصبح واضح المعالم، وكذلك توزيع الادارة السياسيّة العالميّة حتى لا نسميها "الوصاية".
في هذه المرحلة الانتقالية المرفوضة من بعض العرب ومن اسرائيل وأذرعها، هنالك في المنطقة مَن يستمرّ بتعويله على الدور الأميركي ليفرض شروطه. فوضى من نوع آخر غير الفوضى الخلاقة التي استُعمل فيها الارهابيون والتي تم الانتصار عليها. فوضى سياسيّة تصيب بعض العواصم العربية ومنها لبنان. الهدف منها تدمير البنى السياسيّة والمؤسساتيّة تمهيدا لإعادة احياء المشروع التقسيمي .
حتى الساعة يبدو أنّ التعطيل المؤسّساتي والتقسيم الاجتماعي والطائفي يسلك طريقه في لبنان بشكل سريع . فهل سيتم تداركه من الداخل نفسه؟!.
الوضع الاقتصادي وما حصل في بلدة "الجاهلية" منذ أيام يدلّ على أن واقعنا في فوضى خطيرة. تشير بعض المعلومات أنّنا سنشهد قريبا تحركا سياسيًّا دوليًّا بشكل مباشر باتجاه لبنان تتقدّمه روسيا بهدف إنقاذ الوضع الحكومي بعدما سقطت كلّ التحذيرات. فهل سينجح بوتين؟!.