عقب ما إصطلح على تسميته "أحداث الجاهليّة"، دعا رئيس "حزب التوحيد العربي" وئام وهّاب، الذي إستفاد من دعم كبير من قبل فريق قوى "8 آذار"، وبخاصة من جانب "​حزب الله​"، كلًا من النائب ​طلال أرسلان​ والنائبين السابقين ​فيصل الداوود​ و​فادي الأعور​ و"الحزب السُوري القومي الإجتماعي"، إلى الإنضواء في جبهة سياسيّة وطنيّة وحزبيّة موحّدة، مُتحدّثّا عن عودة "العُقدة الدرزيّة" لأنّ التفرّد بقرار الطائفة الدرزيّة ممنوع، ومُعتبرًا أنّ الفريق السياسي الذي ينتمي إليه يجب أن ينال حقيبة وزاريّة وازنة، مع ترشيحه النائب أرسلان لتسلّمها. فهل يُمكن أن تنجح جُهود الوزير السابق وهّاب في قيام هكذا جبهة، خاصة وأنّه قرّر القيام بجولة على "الحُلفاء" ومن بينهم النائب أرسلان، لإنضاج طرحه؟.

من حيث المبدأ إنّ هذه "الجبهة السياسيّة" قائمة أصلاً على مُستوى الخط الإستراتيجي العريض والتموضع السياسي الداخلي والإقليمي، بغضّ النظر إذا كانت مُتظهّرة بتكتّل سياسي مُوحّد يعقد إجتماعات ولقاءات دَوريّة أم لا. لكنّ توحّد القُوى التي تحدّث عنها رئيس حزب "التوحيد" دونه عقبات، أبرزها:
أوّلاً: إنّ النائب أرسلان كان تعرّض لحملات عنيفة من جانب الوزير السابق وهّاب، قُبيل الإنتخابات وخلالها وبعد صُدور نتائجها، وهي حملات بقيت مُستمرّة حتى الأمس القريب. وبالتالي، وعلى الرغم من حديث وهّاب عن إقفال ذيول المعركة الإنتخابيّة، فإنّ أسباب الخلاف بين الطرفين لا تزال قائمة. فالحجم الشعبي لكل من وهّاب وأرسلان لا يكفي لوصولهما معًا إلى الندوة البرلمانيّة، بحسب ما أفرزته نتائج الإنتخابات الأخيرة، وبالتالي التنافس على موقع الزعامة المُرادف لموقع "القيادة الجُنبلاطيّة"–إذا جاز التعبير، سيعود إلى البروز عند أوّل مُفترق إنتخابي، خاصة وأنّ "الحزب التقدمي الإشتراكي" وبعد تقييمه لنتائج دورة العام 2018 الإنتخابيّة، قرّر–بعيدًا عن الأضواء، إجراء تعديلات على توزيع أصوات مؤيّديه في الدورة المُقبلة، بحيث يُنتظر أن يسحب جزءًا من الأصوات التي أعطاها لمُرشّحين مسيحيّين مؤيّدين لخطّه، لصالح مُرشّحيه الدُروز، وذلك بهدف ضمان فوز هؤلاء، وبالتالي لتأكيد زعامته على الساحة الدرزيّة، حتى لوّ أدّى ذلك إلى خسارة أحد مُرشّحيه المسيحيّين.
ثانيًا: إنّ النائب أرسلان دخل في حلف إنتخابي بأبعاد سياسيّة مع "التيّار الوطني الحُرّ"، وهو غير مُستعدّ للتضحيّة بهذا الحلف الذي كان السبب لفوزه بمقعده النيابي–في حال وضعنا جانبًا مسألة ترك الحزب "الإشتراكي" أحد مقعدي دائرة عاليه الإنتخابية فارغًا بشكل مُتعمّد، وهو ما قد لا يحصل في الدورة الإنتخابية المُقبلة. صحيح أنّ النائب أرسلان إنحاز إلى جانب الوزير السابق وهّاب في مسألة "أحداث الجاهليّة" لأسباب مُرتبطة بالساحة الدُرزيّة الداخليّة، وخُصوصًا بسبب قرار من جانب "حزب الله" بدعم وهّاب من مُختلف قوى "8 آذار"، لكنّ الأصحّ أنّ أرسلان يرفض في الوقت عينه الخروج من تحالفه الحالي مع "التيّار"، والتقوقع ضُمن دائرة مذهبيّة ضيّقة لا تُضيف شيئًا إلى رصيده، خاصة وأنّه يُعتبر أساسًا "رأس حربة" في التموضع السياسي والإستراتيجي العام للجبهة التي يطمح وهّاب لتأسيسها. ولعلّ ما نُقل عن النائب أرسلان بأن لا تراجع عن الإتفاق الذي تمّ مع "التيّار" بشأن المنصب الوزاري الدُرزي الثالث، هو خير دليل على موقف رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" ممّا تحدّث عنه الوزير السابق وهّاب عن عودة "العقدة الدرزيّة"، خاصة وأنّ أي خطوة في هذا المجال ستكون موجّهة إلى رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ قبل أن تكون موجّهة إلى النائب والوزير السابق ​وليد جنبلاط​.
ثالثًا: إنّ "الحزب القومي السُوري الإجتماعي" يتقيّد بالقرار الذي سيتخذه "حزب الله" بشأن هذه "الجبهة"، سلبًا أم إيجابًا، إنطلاقًا من التموضع السياسي الإستراتيجي العريض، مع العلم أنّ "حزب الله" لا يُريد تعريض التفاهم بين "الديمقراطي اللبناني" و"التيّار" لأي إهتزاز، وهو يُحبّذ التموضعات السياسيّة على التموضعات المذهبيّة، لأنه يُدرك أن أي جبهة درزيّة سياسيّة ستجرّ ردّ فعل مُعاكس لجهة الإلتفاف حول"الإشتراكي". كما أنّ الحزب "القومي" كان قد بدأ بعد إنتهاء الإنتخابات عمليّة تقييم داخلي للنتائج المُخيّبة التي حصدها في دائرتي "الشوف وعاليه"، حيث تبعثرت أصوات مجموعة من مؤيّديه بين أرسلان ووهّاب، في حين أثّر رُضوخه للضُغوط بسحب مُرشّحه في "عاليه" سلبًا عليه في هذه الدائرة، في الوقت الذي لم ينجح مُرشّحه في الشوف ​سمير عون​ في حصد سوى 770 صوتًا فقط، بسبب خلافات داخل الحزب "القومي" نفسه، وكذلك بسبب أجواء البلبلة وعدم وُضوح الرؤية التي لحقت بمُرشّحيه وبتحالفاته، الأمر الذي إنعكس سلبًا على ناخبيه ومؤيّديه في الشوف وعاليه على السواء.
رابعًا: إنّ جنبلاط عاد خُطوة إلى الوراء، وهو سارع إلى إعادة إحياء تفاهمات سابقة مع "حزب الله" بشأن "الجبل" عُمومًا، وبشأن التعاطي الداخلي، لا سيّما لجهة تنظيم الخلاف السياسي، وعدم العودة إلى التموضعات السابقة الحادة التي كانت تقسم لبنان عموديًا بشكل عدائي خطير. ويُدرك "حزب الله" أنّ قيام أي جبهة سياسية درزيّة مُوحّدة في الشوف وعاليه، سيكون مُوجّهًا بالدرجة الأولى ضُد جنبلاط الذي سيشعر عندها بأنّه عرضة لهجمة من داخل بيئته، وسيعمل بالتالي كل ما في جهده لكسر الحصار المَنوي فرضه عليه، أي أنه سيعود مُضطرًا إلى التموضع سياسيًا في موقع غير وسطي على الإطلاق.
وفي الخُلاصة، إنّ قيام جبهة سياسية حزبية ضُمن القيادات الدُرزيّة التي تُغرّد خارج عباءة "الحزب التقدّمي الإشتراكي" هي لُزوم ما لا يلزم، حيث أنّ هذه القيادات مُنضوية أساسًا ضمن تحالف سياسي وإستراتيجي عريض. وقيام أي جبهة تنظيميّة لهذا التحالف من شأنه شدّ العصب المذهبي ضُمن الطائفة الدرزيّة حول "الخطّ الجُنبلاطي"، هذا إذا نجح المَعنيّون في تجاوز الخلافات الإنتخابيّة الكبيرة بين القوى الدُرزيّة المؤيّدة لمحور "المُقاومة والمُمانعة". ولكل هذه الأسباب، من المُستبعد نجاح جُهود الوزير السابق وهّاب في هذا الصدد.