لم تترك تطورات الأيام الماضية، بدءاً من بروز "العقدة السنية" في ملف تشكيل الحكومة بشكلٍ جدّي، وصولاً إلى أحداث الجاهليّة وما سبقها وما تلاها، مجالاً للشكّ. أنّ ثمّة من يسعى جدياً إلى إعادة إحياء قوى "8 آذار"، بل تنظيم صفوفها بشكلٍ أكثر وضوحاً من أيّ وقتٍ سبق.
كثيرة هي المؤشرات التي تدلّ على ذلك، خصوصاً في الساحتين السنيّة والدرزيّة. يكفي أن يُرصَد الوزير السابق ​وئام وهاب​، مدافعاً عن "خصمه" التقليديّ الوزير ​طلال أرسلان​، بل مطالباً بإعادة البحث بتوزيره، بعدما كان في صدارة المتصدّين لمثل هذا الأمر قبل أسابيع. ويسري الأمر نفسه على "سُنّة 8 آذار" الذين تمّ "تجميعهم" في كتلةٍ واحدةٍ، يصرّ أعضاؤها على أنّها ستبقى وتتمدّد.
وأبعد من ذلك، تُطرَح العديد من علامات الاستفهام، فما الهدف من إحياء "8 آذار" حاليا، وبهذا الشكل؟ وأيّ فريق تريد هذه القوى أن تواجه اليوم، بعدما أصبحت قوى "14 آذار" في خبر كان، كما يردّد أقطاب "8 آذار" نفسهم ليلاً نهاراً؟!.

مؤشّراتٌ بالجملة


لم يعد وجود مسعى لإعادة إحياء "8 آذار" مجرّد تحليلات أو تكهّنات أو استنتاجات تحتمل الصواب والخطأ. كلّ التطورات التي شهدها البلد على مدى الأسابيع القليلة الماضية تثبّت هذه الفرضية، وتبعدها عن إطار "الإشاعات" التي يحاول البعض التقليل من شأنها.
لعلّ المؤشّر الأول الذي دلّ على ذلك تمثّل في ولادة كتلة "اللقاء التشاوري السنّي"، الذي جمع بين طيّاته مختلف النواب السّنّة المعارضين لـ"تيار المستقبل"، بمباركة ودعم "​حزب الله​". صحيح أنّ الهدف الظاهر والمباشر لنشوء هذا التكتل لم يكن سوى الحصول على مقعدٍ وزاريّ في الحكومة المنتظرة، بل إنّ كثيرين ينظّرون بأنّ هذه الكتلة ستنتهي بمجرّد ولادة الحكومة، خصوصاً أنّ أعضاءها ينتمون أصلاً إلى كتلٍ أخرى، إلا أنّ هناك من يؤكد في المقابل أنّها مشروعٌ أوسع من هذه الحسابات "الضيّقة"، بل ثمّة في صفوفها من يقول إنّها ستستمرّ في الاجتماعات الدورية، بل ستتمدّد وتتوسّع أكثر في المرحلة المقبلة.
وإلى الساحة الدرزيّة، ترجم إحياء قوى "8 آذار" بوضوح في الأيام الماضية، وهناك من يرى أنّ أحداث الجاهليّة غير الموفّقة ولا المدروسة، سهّلت المهمّة، التي كانت "مستعصية" على كلّ "الوسطاء"، خصوصاً لجهة التقريب بين قطبي الفريق، أي أرسلان-وهاب، اللذين لم يكن ممكناً جمعهما في أوج "8 آذار"، علماً أنّ ما كان يُحكى في الكواليس قبل الأحداث الأخيرة كان يشير إلى إمكان ولادة "جبهة درزيّة"، ولكن بأحدهما دون الآخر. وإذا كان كثيرون يربطون هذا الأمر أيضاً بالأحداث الآنية التي شهدتها بلدة الجاهلية، وما أفرزته من خصومةٍ متزايدة مع "الحزب التقدمي الاشتراكي"، فإن كلّ شيءٍ يدلّ على أنّ الأمر أيضاً أبعد من تطورات الأيام الماضية، ولعلّ ذلك بالتحديد ما دفع "الاشتراكي" إلى محاولة إعادة تنظيم علاقته مع "حزب الله"، ما تجلى من خلال اللقاء الذي جمع قيادتي الحزبين هذا الأسبوع، بعد فترة من "القطيعة" وصلت إلى أوجها في الآونة الأخيرة.

"التيار" في الوسط؟!


لعلّ "بيت القصيد" في كلّ ما سبق يتمثل في التفاف قوى "8 آذار" السابقة خلف بعضها البعض في ملفّي "العقدة السنية" و"أحداث الجاهليّة" بعيداً عن كلّ المتغيّرات السياسية التي شهدتها البلاد قبل وبعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة. فعلى ضفة "العقدة السنّية" مثلاً، كان لافتاً وقوف مختلف أطراف "8 آذار" خلف "السّنّة المستقلّين" بعيداً عن تفاهمات أبرمها بعضهم مع رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​، الذي بدا "المُستهدَف" من كلّ ذلك، حتى أنّ رهانات البعض على موقفٍ "متمايز" لرئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ مثلاً، خابت سريعاً، وهو ما برز بالمواقف الواضحة التي أطلقها "الأستاذ" في هذا الصدد.
أما على ضفة "أحداث الجاهليّة"، فكان لافتاً أيضاً التفاف مختلف أطراف "8 آذار" حول بعضهم بعضاً، وخلف الوزير السابق وئام وهاب، قافزين فوق بعض الخلافات "الشخصيّة" مع الأخير، على خلفيّة أسلوبه في التعاطي مع القوى التي يختلف معها، ولو جمعته بها الكثير من المواقف المشتركة. وقد برز هذا الأمر بشكلٍ واضح خلال تقبّل رئيس حزب "التوحيد العربي" التعازي بمقتل مرافقه محمد أبو ذياب، وهي التعازي التي تحوّلت برأي البعض من مناسبة عزاء، إلى مهرجانٍ سياسيّ، فضحه وهاب نفسه بمبالغته في الابتسام، بل برفعه شارة النصر مع وصول بعض الوفود لتقديم التعازي.
وإذا كان "إحياء" قوى "8 آذار" من جديد يستهدف بشكلٍ مباشر كلاً من الحريري وجنبلاط وحلفائهما، وإن لم يعودوا في حلفٍ مترابطٍ ومتماسك، فإنّ علامات استفهامٍ تُطرَح حول موقف "التيار الوطني الحر" الذي لم يكن أصلاً من محبّذي تصنيفه في إطار "8 آذار" في عزّ التحالف معها، علماً أنّ كثيرين يعتبرون أنّ العهد قد يكون من المستهدَفين من الحراك الحاصل، ولو بصورة غير مباشرة.
وفي هذا السياق، يرى البعض أنّ إعادة إحياء "8 آذار" مع ما يمكن أن يترتّب عنه من إعادة رسم للخريطة السياسية القديمة، ليس في مصلحة العهد، ولا "التيار الوطني الحر" الذي جاهد طويلاً لتذويب انقسامات الماضي، والانفتاح على جميع الفرقاء. ولعلّ التحرّك الذي بادر إليه "التيار" هذا الأسبوع، خصوصاً بعد أحداث الجاهليّة، التي يقال إنّ رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ كان من أكثر "المستائين" منها، يؤكد هذه "الفرضيّة"، ويرسي دعائم وقوفه في "الوسط". ولا شكّ هنا أنّ ما يُحكى عن إصرار وزير الخارجيّة في حكومة تصريف الأعمال ​جبران باسيل​ على حصول "التيار" ورئيس الجمهوريّة على الثلث المعطّل في الحكومة، بمعزل عن أيّ من الحلفاء، يندرج في خانة "استشراف" مثل هذا الأمر.

"8 و14" مجدّداً؟!


قد تكون "8 آذار" في صدد إعادة تجميع صفوفها اليوم لاعتباراتٍ وحساباتٍ كثيرة، بينها ما هو مرتبط باستحقاقات الداخل، وبينها ما هو مرتبط بالخارج، في ظلّ اللحظة الإقليمية الحالية، خصوصاً أنّ بعض مكوّناتها تعتبر أنّ ما يحققه محورها من "انتصارات" يفترض أن يترجم بشكل وآخر داخلياً، ما يتطلب رصاً للصفوف في الحدّ الأدنى.
لكن، وأياً كان الشكل الذي يمكن أن تتّخذه هذه القوى، فإنّ الأكيد أنّ العودة إلى زمن "8 و14" الذي عاش اللبنانيون ويلاته على مدى أكثر من عشرة أعوام، ليست واردة في هذه المرحلة، أولاً لأنّ الظروف تغيّرت، وبالتالي فإنّ مقوّمات الانقسام العمودي لم تعد متوافرة، وثانياً والأهمّ، لأنّ قواعد اللعبة تغيّرت، بما لم يعد يسمح بالاشتباك بين فريقين يفتقدان إلى الحدّ الأدنى من التماسك والانسجام.