استُهدفت عبر التاريخ بلادٌ عدّة بأرضها وشعوبها وثرواتها حتى أصبحت طيَّ النسيان إِلَّا في كتب التاريخ وبعض العلوم والدراسات المقارنة.
في عصورنا الجديدة، انهارت أنظمة ونشأت اتحادات ودول؛ انقرضت عملات وطنية وبرزت أخرى ووُضعت الخطط والمشاريع لرسم خوارط عالمية جديدة لا سيّما للشرق الأوسط .
بعد خلط الأوراق في موازين القوى العالميّة، ها إنّ الدور يأتي في عالمنا الحديث لشنّ حروب سياسية واقتصادية من أهدافها أيضاً: المنظمات الدولية.
إنَّ الغايات من هذا الهدف تندرج في أربعة مشاريع :إلإلغاء، التقويض، الإستغلال، المنافسة .
لا شكّ أنّ المنظمات الدولية بأنواعها المختلفة تشكّل في عالمنا الحديث قوّة عالمية تضاهي القوّة الإقتصادية والعسكرية لبعض الدول .
بعضها يرسم السياسات الماليّة العالمية ك​البنك الدولي​، والأخرى السياسات القانونية ك​الأمم المتحدة​ والخطط الأمنية عبر جهاز ​مجلس الأمن​ لدى الأمم المتحدة، أو مستوى عائدات النفط وأسعاره كمنظمة الدول المصدّرة للبترول "أوبك"، وأيضا التعاون في مجالات مختلفة سياسية وتجارية وأمنية كمنظمة "شانغهاي".
بحسب اتحاد المنظمات العالمية(UIA)، إنّ عدد المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية في العالم تخطّى ٦٧٠٠٠ في العام ٢٠١٥.
بعد البحث في آلية عمل المنظمات الدولية، يتبين لنا جلياً أن من المستحيل أن تُعدّ وتُحصى سواء في الحاضر أو المستقبل نظراً للتعدّد في جنسياتها، أماكن تسجيلها أو تشعّب اتحاداتها .
إضافة إلى ما تقدّم، إنّ واقعنا أمام ظاهرتين للمنظمات الدولية غير الحكومية وهي :
أولاً-المنظمات ذو الأهداف العابرة للحدود بجنسيات مجهولة (نظرا لانتمائها للإنسان وليس للجغرافيا).
ثانياً-المنظمات المتعددة الجنسيات بأهداف محصورة ببلدان معيّنة أو بشؤون محدّدة ك​مكافحة الإرهاب​ أو الصحة العالمية.
ولكن، أمام عناوين وأهداف مثالية، تُمرّر سياسات وعناوين مخفيّة لمصلحة دول ما دون غيرها ترتبط ارتباطا وثيقا ببعض المنظّمات نتيجة أسباب عدّة أبرزها مصدر التمويل، أو تنفيذ أجندات في ​المجتمع الدولي​.
إنّ مواقف الإدارة الأميركية الحالية من منظمة الأسكوا مثلا، انسحاب قطر من منظمة اوبك، انضمام ​اسرائيل​ الى مجموعة العمل المالي العالميّة وموضوعها مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مع ما قد يستتبع ذلك من قرارات دولية قد تصيب بعض الدول ومنها الدول الممانعة .
ما يحصل مع ​لبنان​ هذه الفترة أيضاً مثال على ذلك؛ حيث سيشهد قريبا قمة لمجلس ​جامعة الدول العربية​ الإقتصادي والإجتماعي. ولم تُوجّه حتى الساعة دعوة للجمهوريّة العربيّة السوريّة للمشاركة به.
هل غريبٌ أن تنتهِج دولة كلبنان، باستحقاق كهذا، سياسة مزدوجة فيما بين السرّ والعلن، وبين العلاقات الخارجية الدبلوماسية والمواقف في لقاءات المنظمات الدولية؟!. هل غريب أن تقاطع جامعة الدول العربية سوريا في العلن وقد سُرّبت معلومات عدّة دبلوماسية تؤكد المباحثات بشأن عودتها للإجتماعات؟!.
يبدو أن الأمر يأخذ هذا المنحى في الدول والمنظمات التي تعمل كياناتها بحركة فرديّة عوضاً عن السير في خارطة طريق جماعية تمثّل إحقاقاً لسياسة شاملة وُضعت بتكامل لمصلحة جامعة.
في بعض زوايا هذا العالم ما زالت قاعدة "القوي يأمر الضعيف" تسيطر على الأذهان السياسية.
أمّا معيار القوة فبات وجهة نظر. لم تعد القوة بالعددية والمساحة والثروة. بعضهم التبس لديهم المعنى.
من هذا المنطلق، القرن ال21 يطبع مفهوما حديثا لا يقتصر على ثورة العالم الرقمي بإيجابياته وسلبياته، بل أيضا على عالم المنظمات الدولية الخطير بإيجابياته وسلبياته أيضاً.
ماذا عن التنظيمات الإرهابية؟! أليست إحدى أوجه المنظمات الدولية غير المسجلة؟!. ماذاعن التحالفات الدولية العسكرية؟!.
سيكتب التاريخ الحديث أنّه في عصر العولمة، إنّ الجغرافيا الحدوديّة على قدر أهمية الدفاع عنها وحمايتها من أي عدوان، فالتمدّد العالمي الرقمي والمنظماتي ضرورة وجودية. أين لبنان منها؟ وللحديث تتمّة...