هل كانت مجرد صدفة ام موعد تم تحديده في الوقت المناسب؟ الحديث هنا هو عن اللقاء الذي جمع ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ مع كل من قائد القوات الدولية في الجنوب الجنرال ستيفان دل كول، والسفير الفرنسي لدى ​لبنان​ برونو فوشيه، قبل وقت قصير جداً من القمة اللبنانية-​النمسا​وية التي شهدها قصر بعبدا. المهم في القمة لم يكن الحضور النمساوي على الساحة اللبنانية والاقليمية، بل ترؤسها الاتحاد الاوروبي حالياً، وكان من المهم ان يملك عون بعض الاجابات الدقيقة قبل دخوله في حديث جدي مع نظيره النمساوي الكسندر فان در بيلين.

الموضوع الساخن الذي تم وضعه على طاولة البحث كان دون شك قضية الأنفاق في الجنوب، ومدى امكان تصاعد التوتر في المنطقة، اضافة الى الوضع الاقتصادي. في الشق الاول، تحدث عون في المؤتمر الصحافي المشترك من موقع الشخص الذي يملك معلومات محلية ودولية عن مسألة الأنفاق، وفيما بقيت هذه القضية غامضة على الصعيد الرسمي لجهة الاعتراف بوجودها ام لا، وما اذا كانت قديمة العهد ام حديثة، كشف عون ان الأنفاق موجودة بالفعل وهو اول موقف لبناني رسمي بهذا الشكل، وذهب ابعد من ذلك حين تحدث عن استعداد لبنان لازالة اسباب الخلاف مع ​اسرائيل​ حول هذه النقطة، والتمسك اللبناني بالقرار 1701. ولم ينسَ عون ربط هذا الموقف بالتقرير النهائي الذي سيصدر عن "​اليونيفيل​" من جهة، وبالضمانات التي حصل عليها لبنان عبر الولايات المتحدة الاميركيّة من عدم وجود نوايا عدوانية لدى اسرائيل، وهو امر كشفه علناً ايضاً.
الموقفان العلنيان حددا مسار الامور بالنسبة الى المسألة الجنوبيّة التي اثارت الكثير من ردود الفعل المحلية والدولية، ومخاوف كبيرة من امكان اندلاع مواجهة عسكرية محتدمة بين لبنان واسرائيل على خلفية الأنفاق المكتشفة. فمن جهة، بات لبنان ملزماً ايجاد حل لهذه الأنفاق وتقديم ضمانات من جهته بعدم حصول مثل هذه المحاولات مرة اخرى، فيما يلتزم المجتمع الدولي عدم تدهور الامور في لبنان على الصعيدين العسكري والاقتصادي، وهو امر ترحّب به النمسا وكل الدول الاوروبية من جهة، اضافة الى ​اميركا​ و​روسيا​ من جهة اخرى. ولكن الاهم من ذلك، فقد بدا عون وكأنه اعطى تطميناً للخارج بأن لبنان كما وقف في وجه ​السعودية​ منعاً لاخذه الى اماكن لا يرغب فيها، باستطاعته ايضاً ان يقف في وجه ايران او اي بلد آخر للهدف نفسه، حتى ولو كان يعاني من مشاكل سياسيّة اساسيّة، ويتخوّف من مرحلة قاتمة تنتظره اذا بقيت الامور تسير على هذا المنوال.
كل هذه الاحداث جرت يوم الثلاثاء الفائت، ولكنها لم تنته بانتهاء القمة مع رئيس النمسا، اذ شهد قصر بعبدا زيارة لوفد ​حزب الله​ تحمل دلالات كبيرة كونها ضمّت مساعد الامين العام للحزب الحاج ​حسين خليل​، الذي اعطى وجوده مجالاً اكبر للغوص في الكلام عن ان البحث لم يقتصر على الموضوع الحكومي وكيفية معالجته، رغم اهميته، بل تناول ايضاً مسألة الأنفاق وخطورتها وكيفية معالجتها بشكل لا يزعزع الصف الداخلي ولا العلاقة القائمة بين رئيس الجمهورية والحزب، ويطمئن الجميع الى استقرار الوضع الامني والعسكري على الحدود، لان تأثيره سيطال ايضاً الشركات الاجنبية الراغبة في المشاركة في التنقيب عن النفط والغاز ( في وقت قد يتأخر بطبيعة الحال)، كما انه سيزعزع الوضع في المنطقة ككل، وعلى لبنان ان يلعب دوره في المحافظة على الستاتيكو الحالي وعدم التسبب بتغييره، وهو دور مهم بالنسبة اليه وللمنطقة وللدول المعنية. ووفق ما تتجه اليه الامور، قد يكون لبنان نجح في تخطي هذه المشكلة المستجدة على الحدود، فيما تبقى المشكلة الداخلية التي يجب حلها والمتعلقة بتشكيل الحكومة.