«طار البلد»... أو كاد يطيـر، وقبل أن يلتحق بالطيور المهاجرة إرفعوا عنه بنادقكم...

في مذكرات بشارة الخوري «أنه كان يسعى الى إدخال عبد الحميد كرامي في السلطة بعدما ظلّ متَّهماً بطلب الوحدة مع سوريا، ورئاسة الحكمة تعني دخول طرابلس في مشروع الدولة التي كانت تُعرف بطرابلس الشام»(1)...

إذا كانت عقدة تأليف الحكومة بتوزير أحد النواب السنّة الستّة تصبُّ في هذا الإتجاه، فقد تصبح ضرورة وطنية مبرّرة...

وإذا كانت العقدة الوزارية تتعلّق بالثلث الحكومي المعطِّل لأن الحكومة التي سُمِّيتْ قبل أن تولد حكومة العهد الأولى والأخيرة، ستتولى هي إدارة الفراغ الرئاسي، فليس ما يبـرّر الحصول على ثلث حكومي معطلِّ وتعطيل الثلثين المتبقِّيَيْن مِنْ ولايـة العهد... مع أن الوصول الى رئاسة الجمهورية لا يؤمِّنُـهُ الثلث الحكومي المعطِّل، فهناك الثلث المعطِّل السعودي، والثلث المعطِّل الإيراني، والثلث المعطِّل الأميركي، «والقمصان السود» تشكِّل وحدها الأثلاث الثلاثة المعطِّلة.

وما يقال: عن شعارٍ صُنع في لبنان، ما هو إلا شعارٌ تسويقي لمخادعةِ العواطف البريئة بدليل، أن الرئيس ميشال عون ما كان ليتربّع في بعبدا على الكرسي المرصَّع، إلا بعد موافقة الثلثين: الإيراني والسعودي، ومباركة الثلث الأميركي، المتربِّص في الظلّ.

أما إذا كانت العقدة الحكومية معلّقة على ذلك الوزير المُنْـتَظَر الذي قد يخرج كالمارد من القُمْقُم لإنقاذ لبنان من أشباح الجنّ، فإنَّ ما يُخيّبُ الرهان هو هذا الزمان العاقر الذي لا تتمخّض فيه القماقم إلاَّ بالأقزام.

من الأشرف والأكرم الإعتراف بأنّ التعطيل المستورد إلينا من عندِهم هو وراء العقدة الحكومية التي عندنا، من أن نتباهى بأن تأليف الحكومة هو أسيـرُ لعبـةِ عضِّ الأصابع بين هذا الفريق وذاك، مع أن هؤلاء العضّاضين يعضّون أصابعنا لا أصابعهم، ولم يتركوا لنا من خيار المفاضلة في العضّ إلا بين السُمِّ والسُمِّ عملاً بقول الشاعر:

إلَيْكَ فإِنّي لَسْتُ مِـمَّنْ إذا اتَّـقَى عُضَاضَ الأَفاعي نامَ فوقَ العقاربِ.

على أنَّ العقدة الكبرى تكْمنُ في أولئك الذين يصنّفون أنفسهم آبـاء لنا مطوَّبين... ستَّـةُ آبـاء أو سبعةٌ هم الذين أنْجبـوا الأربعة ملايين لبناني، وكلُّ مَـنْ عداهُمْ أولادٌ قاصرون...

هذا أبٌ للسنّة، وذاك أبٌ للشيعة، وللمسيحيين آباءٌ بالتبنّي، وأمُّ الصبي أمٌ طالق، وكلّهم أربابُ البيت يضربون بالطبل... ونحن الأبناء تتلاعب بنـا شهوة الآباء، والآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.

نحن ضحية صراع الآبـاء والأبنـاء الذين يتوالون على السلطة وهم يختلسون الإرث، والحق يضيع وليس وراءه مطالب لأنهم خدّروا الشعب بالتنويم المغناطيسي، والحق الشعبي لم ينتصر في التاريخ إلا بعد أن تتدحرج التيجان عن الرؤوس وتتدحرج الرؤوس عن الأكتاف.

قد تكون الحكومة هي الرهان الأخير أو لا تكون.. ولكن الأهم ألاَّ يظل الشعب المخدَّر ضحيةَ الإستغلال على غرار ما شبّه عمرو بن العاص الشعب المصري: «بأنّه كالنحلة التي يستغلّها الإنسان لتجْنِـيَ العسل من أجله».