شكلت العملية الفدائية الجريئة والنوعية قرب مستوطنة عوفرا في الضفة الغربية المحتلة تطورا جديدا في كفاح ابطال الانتفاضة الفلسطينية الثالثة بأشكالها .. فالعملية الجديدة من ناحية الطريقة التي نفذت فيها تؤشر الى التطور في أداء المقاومة من زوايا التخطيط والتحضير والتدريب والاستطلاع، وهذا يؤكد أن هناك مقاومة تنمو وتكبر تحت الاحتلال وتعمل بتواتر ودقة في اختيار أهدافها وتنفيذ عملياتها، الأمر الذي دفع المعلقين الصهاينة إلى الحديث عن أن مثل هذه العمليات باتت تشكل تحديا كبيرا لجيش الاحتلال، فالعملية حصلت في ذروة الاستنفار الأمني الصهيوني، ووجود قوة عسكرية تحمي المستوطنين، ما يعني أن المنفذين اتسموا بالجرأة والشجاعة في الإقدام على تنفيذ عمليتهم، وهم قد خططوا جيدا لهجومهم وأمنوا النجاح له ومن ثم الانسحاب سالمين من المكان، الامر الذي يوجه صفعة قوية لأجهزة الأمن الصهيونية والتنسيق والتعاون الأمني مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية..

ان مثل هذه العمليات التي دأب على تنفيذها شبان الانتفاضة الثالثة، والتي تأخذ أشكالا متقطعة في مقاومة الاحتلال والمستوطنين، باتت تثير قلق وفزع المسؤولين الصهاينة والأجهزة الأمنية الصهيونية، خصوصا وأنها تحصل في ظل ذروة الإجراءات الأمنية الصهيونية..ان مثل هذه المقاومة، التي تنجح في ذلك، لابد وانها تحظى بالاحتضان والدعم الشعبي، وهي حريصة بأن تكون نشاطاتها بعيدة ايضا عن أعين أجهزة أمن السلطة وهو ما يؤمن لها النجاح في تنفيذ هجماتها ومنع العدو من الحصول على أي إنذار مبكر..

ولأن هذه المقاومة تتمتع بمثل هذه الخصائص والمواصفات، فقد خيم القلق والتوتر والارتباك على قادة العدو وأجهزتهم العسكرية والأمنية، وقد عبر عن هذا القلق بوضوح، تعليق المصادر العسكرية الصهيونية لصحيفة يديعوت احرونوت الصهيونية، على عملية عوفرا، حيث نقلت يديعوت عن هذه المصادر "قلقها من إمكانية أن تشكل عملية عوفرا وعملية بركان التي سبقتها الهاما لمنفذين فلسطينيين مفترضين لمحاولة محاكاة العمليتين، بالنظر إلى الجرأة المتمثلة في العمليتين، فالأولى نفذت داخل تجمع استيطاني وخرج منفذها سالما، والثانية نفذت ضد (مجموعة من المستوطنين) وهم محاطون بالجنود".. وما لفت الصحيفة أن التقديرات تشير إلى أن خلية محلية هي التي قامت بالعملية فيما لم يتبن أي فصيل فلسطيني المسؤولية عنها حتى الآن. . فيما نقل عن ضابط أمن صهيوني تواجد في المكان لحظة إطلاق النار، قوله:"عملية إطلاق النار كانت دقيقة وتسببت بمجموعة من الإصابات في محطة الحافلات.. وهذا اعتراف بأن المنفذين مدربون جيدا على إطلاق النار باحتراف..

وإلى جانب ذلك فان أهمية العملية تأتي، بعد عملية البركان في شمال الضفة، لتشير إلى أن الانتفاضة الشعبية والمسلحة في مواجهة الاحتلال تسير في مسار متنامي، مستفيدة من دروس وتجارب الماضي.. على أن توقيت هذه العملية يكتسي اهميته من كونها تأتي متزامنة مع تفاقم أزمة كيان الاحتلال بعد هزيمته الأخيرة أمام المقاومة في قطاع غزة، الأمر الذي يزيد من مأزق حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو الذي يحاول الهروب من أزمته الداخلية باتجاه القيام بحملة استفزازات ضد لبنان أقرب لأن تكون حملة علاقات عامة، ويؤكد فشل العدو في القضاء على المقاومة ومنعها من تنفيذ عمليات نوعية، وتأمين الاستقرار والأمن لجنوده ومستوطنيه، وهو ما دفع رئيس الشاباك نداف ارجمان إلى الاعتراف بوجود مقاومة فعلية في الضفة، وأن الهدوء النسبي على وجه الأرض إنما هو هدوء خادع.. تحت السطح التوتر يتصاعد" . وهذا يدلل بوضوح إلى أن هناك مقاومة جدية، وان المقاومين نجحوا في تحقيق اختراق أمني وتوجيه ضربة موجعة للأمن الصهيوني وهز امن واستقرار الكيان .. على أن حملات القمع والاعتقال والإرهاب التي قام بها جنود الاحتلال بعد العملية إنما عكست حال الهيستيريا لدى العدو جراء العملية والفشل في اعتقال المنفذين.. لكن هذه الإجراءات التعسفية تؤدي بدورها إلى تأجيج المقاومة والانتفاضة وهو ما عبر عنه بعملية طعن مستوطنين في القدس المحتلة وفي المواجهات مع قوات الاحتلال في أكثر من منطقة في الضفة الغربية.. ويبدو من الواضح أنه في ظل فشل نهج التفاوض والتوغل الصهيوني في استباحة الحقوق الوطنية والعربية في فلسطين المحتلة من الطبيعي أن ينهض ويقوى نهج المقاومة لاسيما وأن المقاومة قد أثبتت قدرتها على ردع العدو في قطاع غزة وإلحاق الهزيمة به أكثر من مرة، فيما المقاومة في لبنان تمكنت من هزيمة جيش الاحتلال مرتين، عام الفين وعام الفين وستة، واليوم باتت هذه المقاومة تملك من القدرات والإمكانيات ما يردع قادة الاحتلال من التفكير في الإقدام على شن الحرب على لبنان وقطاع غزة خوفا من الرد القوي الذي ستقوم به المقاومة على العمق الصهيوني وعلى مساحة كل فلسطين المحتلة.. إنه زمن تنامي قوة المقاومة ودخول الاحتلال مرحلة التراجع والعجز في مواجهة المقاومة..