أخيراً، حصل اللقاء بين رئيس الحزب "الديمقراطي اللبناني" وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال طلال أرسلان و"خصمه التقليدي" رئيس حزب "التوحيد العربي" الوزير السابق وئام وهاب، وهو اللقاء الذي لطالما وُضِع في خانة "المستحيلات"، حتى أنّ "سُعاة الخير" من الحلفاء المشتركين للرجلين سبق أن أعلنوا "استسلامهم" وجمّدوا كلّ جهودهم للتوفيق بينهما.

وإذا كان يصحّ القول أنّ رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط هو الذي نجح في ما عجز عنه حلفاؤهما، بعدما ولّى الزمن الذي كانا يشعران فيه أنّهما أقرب إلى "البيك" من بعضهما بعضاً، وأنّ حادثة الجاهلية الأخيرة مع ما رافقها من استنفارٍ معطوفٍ على قصورٍ في الرؤية، سرّعت في اللقاء بينهما، فإنّ تساؤلات أكثر من مشروعة تُطرَح عن إمكان صمود "الحلف المستجدّ" بين الرجليْن، هذا إذا جاز وصفه بـ"الحلف".

فهل يكون لقاء أرسلان ووهاب فعلاً مقدّمة حقيقية لنشوء "تكتل درزي" في مواجهة الزعامة "الجنبلاطية" التقليدية؟ وهل من يراهن فعلاً على "ديمومة" الوفاق بين الرجليْن، اللذين يحمّلهما الكثيرون سبب إخفاق "المعارضة الدرزية"، إن وُجِدت؟!.

"عجيبة جديدة"؟!

لا شكّ أنّ من يستمع إلى تصريحات وهاب وأرسلان بعد اللقاء الذي جمعهما في دارة الأخير في خلدة يُصاب بالذهول، وما هو أكثر منه. فأن يصف وهاب أرسلان بـ"رجل الوفاء والموقف الشجاع"، وأن يشيد بـ"حرصه على الدروز"، بل أن يعتبر غيابه عن دارة خلدة خلال الفترة الماضية، "غربة قسريّة وغير مبرّرة"، أمرٌ لم يكن يخال أحد أن يسمعه في يوم من الأيام. وأن يردّ أرسلان على "الأستاذ وئام" كما وصفه، بالدعوة إلى "الترفع عن الأنانيّة الشخصيّة لننظر إلى وضع هذه الطائفة وندرك أنه من المعيب أن نبقى في هذا المستنقع"، فهو أمرٌ يخرج بأبعاده، غير الخافية على أحد، عن المألوف السياسيّ.

ولعلّ سبب "الذهول" أو ما ذهب البعض إلى حدّ اعتباره "عجيبة جديدة" في السياسة اللبنانية التي لا تخلو من "العجائب والغرائب" على امتداد ساحات الصراع فيها، يعود بالدرجة الأولى إلى تصريحات الرجليْن نفسيْهما، قبل أسابيع فقط. فوهاب على سبيل المثال، الذي لا يجد اليوم تبريراً لـ"غربته" عن أرسلان، والذي يعتبر الأخير "رجل وفاء"، كان قبل أسابيع قليلة يتهمه بـ"توسّل السلطة على حساب كرامته الشخصية"، بل كان يقف بالمرصاد ضدّ توزيره في الحكومة، حين كان الفريق السياسي الذي ينتمي إليه يدعم "حقّه" في التمثيل، لينتفض وهاب ضدّ هذا "المنطق"، باعتبار أنّ أرسلان "لا يملك أي حيثية"، حتى أنّه لم يكن من محبذي "التسوية" التي تمّ الوصول إليها، بل كان يقفز فوق خلافه مع "الحزب التقدمي الاشتراكي"، داعماً حقّ الأخير بـ"حصرية" التمثيل في الطائفة.

ومع أنّ أرسلان ووهاب أصرّا في تصريحاتهما بعد اللقاء على القول إنّه "ليس موجّهاً ضدّ أحد"، فإنّ أحداً لا يشكّ بأنّ طيف رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" كان أكثر من حاضر فيه، وبأنّ مثل هذا اللقاء ما كان ليتمّ لولا الأخير، ولو كان حديث المحيطين بـ"البيك" عن "أمر عمليات خارجي" دفع إلى حصوله عرضة لـ"تشكيك" الكثيرين، باعتبار أنّ كلّ المحاولات السابقة والتي دخل "الخارج" على خطّها، لم تبدُ نافعة. وثمّة من يقول إنّ حادثة الجاهلية الأخيرة، التي سرّعت في حصول اللقاء، لم تكن سوى سببه المباشر، علماً أنّ جهوداً كانت تُبذَل خلف الكواليس للتمهيد له منذ فترة، خصوصاً بعد تزايد خلافات الجانبين مع جنبلاط، ووصولها إلى أوجها، بعد فترة من "الهدنة"، أقله بين "البيك" و"المير".

رأيان مضادان

بعيداً عن الأسباب والدوافع، فإنّ الثابت أنّ اللقاء الذي كان يُصنَّف طيلة السنوات الماضية ضمن "المستحيلات" حصل أخيراً. وبدا أنّ القيّمين عليه يريدون أن يكون نواة مشروع نهضويّ أكبر، فتح رئيس حزب "التوحيد العربي" الطريق له من خلال الحديث عن "مؤسسة هي مؤسسة دار خلدة وهذه المؤسسة سيكون لها مشروع نهضوي شامل على الصعيد الدرزي"، مشيراً إلى "تعويل" على أرسلان لقيادتها في المرحلة المقبلة.

ولكن، هل سيكون لمثل هذا الكلام "ترجمة" عملية على أرض الواقع؟ وهل يمكن للقاء بين الرجلين أن يرتقي إلى مستوى "تحالف" لطالما طمح إليه حلفاؤهما المشتركون، وبالتالي أن يصمد في وجه كلّ التحديات التي يمكن أن تعترض طريقهما؟.

يؤكد المعنيّون بالأمر، خصوصاً في الحزبين الدرزيَّيْن المعارضيْن، أنّ اللقاء "محصَّن"، وأنّه لم يكن ليحصل لو لم يكن هناك "ضمانات" لجهة ديمومته واستمراره في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظلّ وجود إدراك لدى القيادتيْن بأنّه أصبح "ضرورة وواجباً"، وهو ما أوحى به أرسلان من خلال الحديث عن "الترفع عن الأنانيات". ولعلّ ما يعزّز هذا الرأي ما يقوله كثيرون من أنّ "التشتّت" الحاصل في الصفّ المعارض الدرزيّ، وتحديداً بين وهاب وأرسلان، اللذين ضيّعا البوصلة بعدما تحوّل جلّ اهتمامهما في السنوات الماضية هو التصويب على بعضهما البعض، أسهم في تقوية "الخصم"، إلى حدّ التخلي عنهما واحتكار الساحة الدرزيّة.

لكن، في مقابل هذا الرأي، هناك رأيٌ آخر يعتبر التلاقي بين الرجلين "آنياً" ليس أكثر، وينطلق من أنّ هذا اللقاء ما كان ليحصل لولا "الصدام" الحاصل مع جنبلاط، صاحب النفوذ الأكبر على الساحة الدرزية، وهو ما لا يمكن لأحد نكرانه، سواء كان في مصلحته أم لا. وخير دليلٍ على ذلك أنّ أحداً لم يكن يتحدث عن ضرورة نشوء تكتّل درزي في عزّ "التلاقي" بين جنبلاط وأرسلان، والذي امتدّ منذ العام 2009 حتى الانتخابات النيابية الأخيرة، بل إنّ "الطلاق" الذي وقع بينهما بعيد الانتخابات حفّز وهاب للوهلة الأولى على التقارب مع جنبلاط، لا أرسلان، قبل أن يحصل ما حصل في الأسابيع الماضية.

تحالف آني

إذا كان للقاء بين أرسلان ووهاب أبعاده الواضحة وغير الخافية على أحد، فإنّ كل المؤشرات تدفع إلى استبعاد أن يؤسّس هذا اللقاء إلى تكتّل حقيقي، أو أن يكون أكثر من تحالف آني تفرضه لحظة الخلاف الحالي مع "البيك"، الذي لا يزال يتصدّر "الزعامة" في الساحة الدرزية، علماً أنّ هذه المعارضة لو خاضت الانتخابات الأخيرة متّحدة لحصدت أكثر بكثير من مقعد تركه جنبلاط شاغراً أصلاً.

ومع أنّ كثيرين يعتقدون أنّ "تحصين" المعارضة الدرزية، بعيداً عن خلافاتها الداخلية، من شأنه أن يمهّد لتغييرٍ ما على الأرض، ولو بحدّه الأدنى، فإنّ أكثر منهم يعتقدون أيضاً أنّ إشارة إيجابية واحدة من "البيك" لأرسلان أو وهاب، تستطيع أن تعيد الأمور إلى سابق عهدها، وتنهي كلّ التكهّنات حول تحالف سيكون اختراقه أكثر من سهل عند أول مطبّ...