يضعنا الإنجيل أمام جماعتين، سماوية وأرضية، تتكوّنان من تألّف شخصيّات لَعِبت دوراً أساسيّاً في حدث التجسّد: مريم، يوسف، الملائكة، الرعاة، المجوس، هيرودوس...، وهؤلاء كلّهم شاهدوا ميلاد الربّ وعبّروا عن فرحهم بهذا الحدث العجيب، إلاّ أن منهم مَن أمرَ بقتل الصبّي!.

سيكون موضوع تأملنا في تساعية الميلاد الحاضرة، بدورِ كلٍّ من هذه الشخصيّات المذكورة في حدث ميلاد الربّ، متوّقفين مذهولين معها بهذا الحدث العجيب الذي ملأ الزّمان والمكان، وفتح أبواب السماء على أمام الطفل الإلهي لينزل إلى عالمنا وينقلنا من الظلمة إلى النّور.

مريم إبنة النّاصرة المَنسيّة(لو1: 26-38)

مقدّمة

من بيت لحم القرية الصغيرة، ومن العذراء مريم "إبنة صهيون" المتواضعة، شاء الله أن يُرسِل ابنه إلى العالم، ليُخلّصَ به العالم.

الإنجيل

"وفي الشَّهْرِ السَّادِس، أُرْسِلَ الـمَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الـجَلِيلِ اسْمُهَا النَّاصِرَة، إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ اسْمُهُ يُوسُف، واسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم. ولَمَّا دَخَلَ الـمَلاكُ إِلَيْهَا قَال: "أَلسَّلامُ عَلَيْكِ، يَا مَمْلُوءَةً نِعْمَة، أَلرَّبُّ مَعَكِ!". فَاضْطَربَتْ مَرْيَمُ لِكَلامِهِ، وأَخَذَتْ تُفَكِّرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هـذَا السَّلام! فقَالَ لَهَا الـمَلاك: "لا تَخَافِي، يَا مَرْيَم، لأَنَّكِ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ الله. وهَا أَنْتِ تَحْمِلينَ، وتَلِدِينَ ابْنًا، وتُسَمِّينَهُ يَسُوع. وهُوَ يَكُونُ عَظِيمًا، وابْنَ العَليِّ يُدْعَى، ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلـهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيه، فَيَمْلِكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلى الأَبَد، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَة!". فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلمَلاك: "كَيْفَ يَكُونُ هـذَا، وأَنَا لا أَعْرِفُ رَجُلاً؟". فأَجَابَ الـمَلاكُ وقالَ لَهَا: "أَلرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، ولِذـلِكَ فالقُدُّوسُ الـمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ الله! وهَا إِنَّ إِلِيصَابَاتَ نَسِيبَتَكِ، قَدْ حَمَلَتْ هيَ أَيْضًا بابْنٍ في شَيْخُوخَتِها. وهـذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتي تُدْعَى عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!". 38-فقَالَتْ مَرْيَم: "هَا أَنا أَمَةُ الرَّبّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ!". وانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِها الـمَلاك".

1- في ملء الصِغَر

لم يختَر الرب من أجل مجيئه إلى العالم، أفضل مُدُن العالم، ولا أفخمَ منازل العالم، ولا أرقى عائلات العالم وأكثرها ثراءاً، ولا مشهوريّ العالم. بل اختار الأكثر ضعفاً وصِغراً وفقراً وتواضعاً ليأتِ إلى العالم: بيت لحم أصغر مُدُنِ أفراته، ومريم، صبيّة غير معروفة تحيا في أحياء تلك القرية الصغيرة منسيّة مع بيئتها.

"لَكنْ يا بـيتَ لحمَ أفراتةَ، صُغْرى مُدُنِ يَهوذا، منكِ يَخرجُ لي سيِّدٌ على بَني إِسرائيلَ يكونُ منذُ القديمِ، منذُ أيّامِ الأزَلِ‌. لذلِكَ يتركُ الرّبُّ شعبَهُ إلى حين تلِدُ الوالدةُ، فيُرجعُ الباقونَ مِنْ بَني قومِهِ إلى أرضِ بَني إِسرائيلَ"(مي5: 2-3).

2- الصغير الكبير

تستقبلُ بيت لحم، المدينة الصغيرة مريم لتَلِد ابنها، فتُصبِحُ أكبر مُدن إسرائيل! تَلِدُ مريم ابناً إلى العالم، فتُصبِحُ أمَّ الله! هذا ما يقوله متى الإنجيلي: "وأنتِ يا بيتَ لحم لستِ الصغيرة في مُدُن يهوذا"(متى2: 6).

كانت بيت لحم صغيرة، ولكنها لم تَعُد كذلك، فإليها ستتجّه كلّ الأنظار: الملائكة والرُّعاة والمجوس وحتى هيرودس، لأنّها أصبحت مكاناً لولادة المُخلّص الذي سيرعى كُلّ الأمم.

3- أسلوب الله

إنّ تجسّد يسوع بهذا الشكل في العالم يُخبرنا عن "أسلوب الله"؛ فالله لا يكشف عن ذاته بأساليب القوّة والغنى الخاصة بالعالم، وإنما بتلك المرتبطة بالضعف وبالفقر، وبالحُبّ الذي يجعله قريباً من أصغر الصّغار. وحيثما يُولَدُ يسوع، يُضحي كلّ شيءٍ كبيراً.

فلنبحث عن يسوع، لا في الأماكن الأكثر ثراءاً ورفاهيّةً. لا في أماكن البَحبوحة والرّاحة والإستجمام. لا في مراكز الثِّقلِ والقوّة والتأثير. بل حيثُ يكون الناسُ جياعُ عِطاشٌ إلى خبز الأرض وماء الأرض، ومحتاجين إلى دفء المحبّة، محبّة إخوتهم التي تجعلهم يَرون مجد الله.

صلاة

"عندما يُولَدُ بَنو الملوك، يُستَقبَلونَ على الأُرجوان، وعندما وُلِدَ المسيحُ كان مُضجَعاً في مِذوَد. وفي امِطَةٍ لُفَّ ذاك الذي مملوءَةٌ منهُ السَّماواتُ. ألمَجدُ لهُ لأنّهُ، في يومِ ميلادِهِ، خَلَّصنا مِن الضّلال. آمين" (صلوات أسبوع الميلاد الماروني، مخطوط بكركي 66).