شكّلت زيارة الرئيس السوداني ​عمر البشير​ إلى ​سوريا​ مفاجأة إلى الكثير من الأوساط العربية، كونه أول رئيس عربي يزور دمشق للقاء الرئيس ​بشار الأسد​ منذ بداية الحرب في العام 2011، لكن المتابع لمسار الأحداث، في الفترة الماضية، يدرك أن الإستدارة العربيّة باتت أمراً واقعاً، مع إستعادة ​الجيش السوري​ زمام المبادرة بعد إعادة السيطرة على معظم المناطق التي كانت في يد الجماعات المعارضة.
في هذا السياق، ينبغي التوقف عند بعض المعطيات الأساسية، أبرزها أن البشير يمثل توجهاً عربياً واضحاً ولا يعبر عن موقف بلاده فقط، فالخرطوم عضو في التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن، وهي من أبرز حلفاء المملكة على هذا الصعيد، كما أن الزيارة تأتي بعد اللقاء بين وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة مع نظيره السوري وليد المعلم، على هامش إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
قبل ذلك، كانت الأنباء عن أن الإمارات تسعى إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق، في حين دعا وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى فتح صفحة جديدة في التعامل مع الأزمة السورية وفق مقاربات جديدة تأخذ بعين الاعتبار الحقائق على الأرض، بعد أن كانت عمان قد عمدت إلى إعادة فتح معبر نصيب مع سوريا، كما أن وفداً برلمانياً أردنياً زار مؤخراً دمشق حيث التقى الرئيس الأسد الذي حمّل الوفد رسالة إلى الملك الأردني عبدالله الثاني مفادها أنه يتطلع إلى الأمام لا إلى الخلف.
بالإضافة إلى المواقف المذكورة في الأعلى، لا ينبغي تجاهل مواقف دول عربية أخرى من الأزمة السورية، أبرزها مصر والجزائر والعراق وتونس، بالإضافة إلى جامعة الدول العربية، التي كان أمينها العام ​أحمد أبو الغيط​ قد اعتبر، في نيسان الماضي، أن قرار تجميد المقعد السوري في الجامعة العربية كان متسرّعاً جداً، لافتاً إلى وجود نقاشات لتغيير مواقف بعض الدول العربية، التي ترى أن هذا التصرف يجب أن يعاد النظر فيه.
في نهاية الاسبوع المنصرم، لم تكن زيارة البشير الحدث الأبرز على هذا الصعيد فقط، حيث وجه البرلمان العربي دعوة إلى جامعة الدول العربية لإعادة سوريا إلى مقعدها في الجامعة والعمل العربي المشترك، في مؤشر إلى أن الجامعة في طور التحرك في هذا المجال، مع العلم أن إنهاء تعليق الأنشطة السوريّة يتطلب موافقة مجلس الجامعة بالإجماع، لكن يمكن لدول أعضاء فيها إبداء تحفظها من دون أن يمنع ذلك سريان القرار، في وقت كان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو يعلن استعداد أنقرة للنظر في العمل مع الرئيس السوري إذا فاز في انتخابات ديمقراطية.
إنطلاقاً من هذا الواقع، من الضروري السؤال عن موقف ​لبنان​، الذي يعتبر من أبرز الدول التي بحاجة إلى مثل هذه الإستدارة، لمعالجة أزمة النازحين أولاً لما تشكله من ضغط على الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة، كما أن دمشق تُعتبر بوابة لبنان الوحيدة نحو العالم العربي، في حين لا يزال الإنقسام السياسي في البلاد يحول دون الإستفادة من هذه الفرصة.
في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن لبنان لم يعمد، طوال سنوات الأزمة السورية، إلى قطع العلاقات مع دمشق، حيث يتواجد سفير سوري في بيروت وسفير لبناني في دمشق، كما أن العديد من الوزراء قاموا بزيارات متعددة إلى العاصمة السوريّة في الفترة الماضية، في حين يتولى المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، بتكليف رسمي، مهمة التنسيق مع السلطات السورية في العديد من الملفات، ورئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ أبرق إلى الرئيس السوري معزياً بضحايا الهجمات الإرهابية التي شنها مسلحو تنظيم "داعش" الإرهابي في السويداء مؤخراً.
في المقابل، هناك فريق سياسي لا يتوانى عن شن الحملات الإعلامية والسياسية ضد دمشق، بسبب رهانه على الأحداث هناك منذ إنطلاقاتها، ورئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ سبق له أن أعلن، في أكثر من مناسبة، رفضه المطلق عودة العلاقات مع سوريا إلى مستواها الطبيعي، مع العلم أن لبنان لا يزال حتى اليوم يشتري الكهرباء من دمشق، في وقت أعرب رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​ عن إستغرابه عدم دعوة دمشق إلى القمة الاقتصاديّة العربيّة التي تستضيفها بيروت.
في بعض الأوساط السياسيّة اللبنانيّة، تأكيد على أن موقف الأفرقاء المعارضين لاعادة العلاقات مع سوريا إلى مستواها الطبيعي لن يبقى على ما هو عليه اليوم في الفترة المقبلة، لا سيما مع إستكمال الإستدارة العربية نحو سوريا، التي لا تبدو السعوديّة بعيدة عنها بأيّ شكل من الأشكال، خصوصاً أنها باتت تراهن على قدرات دمشق لتحجيم الدور التركي في سوريا، في ظل الصراع المفتوح بين الرياض وأنقرة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه عن الفائدة اللبنانيّة من التأخر في أخذ مثل هذا القرار.