كان من المتوقع ان تنفرج المسألة الحكومية عاجلاً ام آجلاً، ولكن احداً لم يكن يعرف التوقيت او الاسلوب الكفيل بانتشال البلاد من الرمال المتحركة التي غرقت فيها. اليوم، باتت المسألة بحكم المنتهية والجميع ينتظر ساعات قليلة للاعلان عن تشكيلة ال​حكومة​ التي طال انتظارها وهددت مصير البلد، بعد ان حذر ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ من "الكارثة" التي تنتظره ما لم تنجح مبادرته الاخيرة.

وما ان تم الاعلان عن تحرك للمدير العام للامن العام اللواء المتقاعد ​عباس ابراهيم​ في هذا السياق، حتى حملت الساعات التالية للاعلان، انباء تفاؤلية متسارعة ومتصاعدة. والاختلاف الجذري بين مؤشرات التفاؤل السائدة الحالية وتلك التي كانت تنتشر سابقاً، انها هذه المرة تتقاطع على الايجابية من مختلف المصادر إن من رئيس الجمهورية او من رئيس الحكومة المكلف او من رئيس مجلس النواب او من ​حزب الله​ او حتى من النواب السنّة الستّة. ولكن، ما الذي دفع اللواء ابراهيم الى الدخول في دوامة مفاوضات التشكيل الحكومي؟ اسباب عديدة يمكن قراءتها في هذا المجال، انما الابرز يبقى في انه اولاً يتمتع بقبول كل الاطراف المختلفة سياسياً والمتناقضة مبدئياً، وعلى عكس وزير الخارجيّة في حكومة تصريف الأعمال ​جبران باسيل​، لا يجد من يفاوضه أي حرج في بحث كل الامور ووضع الاوراق كافة على الطاولة، فيما الوضع مع باسيل كان اكثر حرجاً لانه طرف في المسألة الحكومية، كما انه يرغب في المحافظة على حصة "التيار الوطني الحر" وحصة رئيس الجمهورية، ما يعني ان الانطلاقة لم تكن مشجّعة للتفاوض على شروط من هنا او هناك.
ثانياً، يدرك الجميع ان ابراهيم مكانة خاصة لدى حزب الله، ما يعني ان الحزب يرتاح الى طريقة التعاطي التي يعتمدها اللواء المتقاعد في مقاربته للامور، وانطلاقاً من قاعدة لا غالب ولا مغلوب. وبالتالي، وعلى الرغم من ان ابراهيم لم يجترح الحل، انما طريقة تسويقه الحل هي الاهم، وعليها يقف مدى تقبّل الاطراف له ام لا. وكما هو معلوم، فإن اقناع حزب الله بالحل شكل جزءاً كبيراً من سلوك الامور مجراها الطبيعي في المراحل اللاحقة.
ثالثاً، قد يكون المدير العام للامن العام احد الاشخاص المفضلين لدى الرئيس عون، وهو محط ثقة في قصر بعبدا، ومع خروج باسيل من معادلة التسوية عبر المباردة التي حملها الى كل الاطراف، كان ابراهيم الاكثر ترجيحاً كشخصية تفاوضية مقبولة من رئيس الجمهورية الذي كان يرغب في عدم الخروج مكسور الخاطر من هذه المعركة بعد ان قام بمبادرته واعتبرها بمثابة "الخرطوشة الاخيرة" لانقاذ ​لبنان​ من محنته السياسية. بمعنى آخر، لم يكن عون في وارد تسليم مبادرته هذه لتسويقها الى اي شخصية بعد باسيل، تتغلب معها حظوظ الفشل على حظوظ النجاح، واتى خيار اعتماد ابراهيم الحل الانجع لهذه الرؤية.
وعلى الرغم من انه يحق للواء ابراهيم ان يحصد النجاح في هذه المسألة، الا انه لا يجب ان ننسى المساعي والمحاولات التي بذلت طوال هذه الفترة، والضغوط التي مورست في الداخل والخارج من اجل الوصول الى هذه اللحظة التي كان الجميع يتوقعها دون معرفة توقيتها.
اما بعد، فيبقى ان نأمل ان تكون الحكومة العتيدة على قدر التعب الذي استغرقه تشكيلها والاعلان عنها، علماً انه من المفترض ان تكون اداة العمل الاساسية للرئيس عون، وجسر عبور الزامي للعديد من المبادرات والاتفاقات الاقتصادية والمالية، والباب الذي ستلج من خلاله الحلول لمشاكل البنى التحتية والاستراتيجية الاقتصادية.