يضعنا ​الإنجيل​ أمام جماعتين، سماوية وأرضية، تتكوّنان من تتألّف شخصيّات لَعِبت دوراً أساسيّاً في حدث التجسّد: مريم، يوسف، الملائكة، الرعاة، المجوس، هيرودوس...، وهؤلاء كلّهم شاهدوا ميلاد الربّ وعبّروا عن فرحهم بهذا الحدث العجيب، إلاّ أن منهم مَن أمرَ بقتل الصبّي!.
سيكون موضوع تأملنا في ​تساعية الميلاد​ الحاضرة، بدورِ كلٍّ من هذه الشخصيّات المذكورة في حدث ميلاد الربّ، متوّقفين مذهولين معها بهذا الحدث العجيب الذي ملىء الزّمان والمكان، وفتح أبواب السماء على أمام الطفل الإلهي لينزل إلى عالمنا وينقٌلنا من الظلمة إلى النّور.

السّرعة الزائدة في زمن الميلاد(لو2: 15-18)


مقدّمة


أسرعت مريم إلى أليصابات(لو1: 39). وأسرع الرّعاة إلى ​بيت لحم​ ليَرَوا الطّفل مُضجَعاً في مِزوَد (لو2: 16). وأسرَع المجوس من المشرِق إلى أورشليم ليَسجدوا للملِك الإلهي(متى2: 1-2).


الإنجيل


"وجَاؤُوا (الرُّعاة) مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في الـمِذْوَد. ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هـذَا الصَّبِيّ. وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة".

1- السّرعة وقبول الملكوت
السّرعة هي علامة قبول الرّسالة وقبول الدّخول في مشروع الله، واعتبار أمور الله أولويّة. هذا ما قامت بِه مريم والرّعاة بعد بشارة الملاك، وما قام به المجوس بعدما رأوا النجم: كُلّهم تركوا أماكنهم، سائرين باتّجاهٍ النّور الذي تنتظره البشرية منذ القديم.
الله حاضرٌ على الدّوام يشقّ الطريق أمام البشر ويَحُثّهم على السير فيه، ويدعوهم إلى المُشاركة في مشروعه الخلاصي. هذا هو فَرَح الميلاد؛ النّور الإلهي الذي أشَعَّ في بيت لحم وأنار الرّعاة والمجوس، هو يُشعُّ اليوم من أجلنا، فيُنير حياتنا وتفكيرنا ومواقفنا وخطواتنا وشهادة حياتنا.

2- لا نؤَجّل عمل الله
تفسِّر إديت شتاين سطوع النجم الذي تبِعه الرُّعاة في الليل على أنَّه دعوة يجب أن تشُقَّ طريقَها في قلوبنا. لأنَّ ​عيد الميلاد​ هو بالفِعل إعدادٌ لدعوة المخلِّص التي سَمِعَها تلاميذُه تتردَّد: "إتبَعني". بالإضافة إلى ذلك: "هو يقول ذلك أيضًا لنا، ويضَعُنا أمام الخَيار بين النور أو الظُّلمَة"، وعلينا الآن إن سمعنا صوته، ألاّ نُقَسّي قلوبنا، بل أن نُسرِع في اتّباعِه(عب3: 15).
كتب ​البابا​ الفخري بندكتوس السادس عشر في موضوع ضرورة السّرعة في تلبية نداء الله قائلاً: "القسم الأكبر من الناس لا يعتبرون أمور الله أولويّة، ولا يتحركون بشكل مباشر. وهكذا نحن أيضًا معظمنا على استعداد لتأجيل أمور الله. قبل كل شيء نفعل ما يبدو لنا الآن كأمر طارئ. في سجل الأولويات، غالبًا ما يحتلّ الله المكان الأخير. لسان حالنا يقول: هذا أمر أستطيع أن أفعله دومًا. أما الإنجيل فيقول: إنه أمر طارئ للغاية. ولذا إذا ما كان هناك أمر يستحق السرعة وعدم التأخير، فهو قضية الله وحدها"(تأملات في الميلاد، 2017).

3- قضيّة الله
ما هي قضيّة الله؟ إنها الإنسان الحيّ. فالغاية من تجسّد ابن الله، ليست سِوى خلاص الإنسان، فيشترك من جديد في حياة الله المُعدَّة له منذ إنشاء العالم. وهكذا "صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً"(القديس إيرونيموس).
صحيح أنَّ قضيّة الله صعبة التحقيق في العالم، ولها تحدّياتها الخاصّة، ولكن سبب رجائنا بالنّجاح يكمن في أن الربّ "حلَّ بَيننا"، أي دخل حياتنا وتاريخنا فما عُدنا وحدنا، وتضامن مع حالتنا الإنسانيّة الضعيفة ليصل بِنا إلى حالة الإستنارة والإنتصار، فلا تبقى قضيّة تستحقّ العيش من أجلِها إلاّ قضيّة الإيمان به وتحويل العالم إليه.

صلاة


"قُدّوسٌ أنتَ يا أللهُ المَحجوبُ في مَقَرِّه... قُدّوسٌ أنتَ أيّها القويُّ الذي أَحَلَّ قُوَتَهُ في حَشا مريمَ، كما حَسُنَ لهُ. قُدّوسٌ أنتَ يا مَن بطبيعَتِهِ، لا يَموت، وقد لَبِسَ جَسَدَ المائتينَ لكي يُحييهم"(صلوات أسبوع الميلاد الماروني، مخطوط ​بكركي​ 66).