كان يمكن لـ"​اللقاء التشاوري​" أن يتباهى بتحقيقه "انتصاراً" في إطار "التسوية" التي أنهت ما سُمّيت بـ"العقدة السنية"، من خلال القول إنّه فرض في نهاية المطاف توزير ممثّلٍ عنه، وبالتالي كسر ما يصفها بـ"أحادية" رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​.
كان يمكن لـ"اللقاء التشاوري" أن يفعل ذلك، لولا تطورات الساعات الماضية، التي حوّل فيها هذا الربح، ولو كان "معنوياً" برأي البعض، إلى "هزيمة صافية" لا يمكن نكرانها بعدما "فضحها" بنفسه، وعلى العلن، وإن تفاوتت معدلاتها بين أعضائه من أصحاب الولاءات المتباينة والمتنوّعة.
وإذا كانت الآراء تختلف حول من كان "الخاسر الأكبر" بين أعضاء "اللقاء التشاوري" من كلّ ما حصل منذ "ابتداع" كتلة جامعة لهم قبل أشهر وحتى اليوم، فإنّ كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ اللقاء الذي أدّى قسطه للعُلا، انهار عملياً مع انتفاء دوره، ولو جاهر بعض من فيه ليلاً نهاراً، بأنّه باقٍ حتى انقطاع النفس...

وداعاً لـ"التشاوري"؟!


كثيرة هي المؤشرات التي تدلّ على أنّ "اللقاء التشاوري" انتهى عملياً، بدليل التصدّع والتفكّك اللذين ظهرا في صفوفه في الساعات الأخيرة، بعد أشهرٍ سعى خلالها اللقاء إلى تصوير نفسه كتلة متماسكة ومنسجمة، في إطار دحض فرضية كونه كتلة "اصطناعية"، تمّ "تركيبها" بهدف الضغط على رئيس الحكومة المكلف ليس إلا، ولا يجمع بين أعضائها سوى "الطموح" المشروع بالحصول على مقعدٍ وزاريّ، ترجمة لنتائج الانتخابات النيابيّة.
هكذا، وعلى مدى الأشهر الماضية، حرص "اللقاء التشاوري" على الإيحاء بأنّ انتماء عددٍ من أعضائه إلى كتلٍ متنوّعة، لا يناقض بالضرورة قدرتهم على الانسجام في إطار كتلةٍ واحدةٍ وإن كانت ذات لونٍ مذهبيّ، خصوصاً أنّ الكثير يجمعهم في مقاربتهم لمختلف القضايا، ولا سيما في كلّ ما له علاقة بالفكر الاستراتيجي على أكثر من مستوى. وذهب بعض أعضاء "اللقاء" أكثر من ذلك في "رهاناتهم"، لحدّ القول إنّ "اللقاء" لن يصمد فقط طيلة ولاية البرلمان الحالي، بل سيؤسس لتجمّع أكبر، يمكن خوض الانتخابات المقبلة على أساسه.
سريعاً، اضمحلّت الأحلام والأمنيات، وافترق "الأحبّة"، ولو أصرّوا على قول غير ذلك، إذ إن ما خلّفته التسوية الحكوميّة من انشقاقٍ في داخلهم، ولو جرت محاولات لاحتوائه في الساعات الأخيرة، أكثر من معبّر، ويحمل الكثير من الدلالات. فبمجرّد تسريب اسم جواد عدرا ممثلاً عن "اللقاء" في الحكومة بموجب التسوية التي وافق عليها أعضاء "اللقاء"، حتى "انفجرت" الأمور داخل "اللقاء"، بشكلٍ علنيّ، فاجأ الأقربين قبل الأبعدين، وصل إلى حدّ تبادل الاتهامات، والحديث عن "خبث" و"غدر"، في انعكاسٍ لخلافاتٍ داخلية لطالما حاولوا القول إنّها من نسج خيال البعض.
ومع أن أكثر من عضو في "اللقاء" جاهد خلال الساعات الماضية ليؤكد العكس، ويعتبر أن ما حصل من "سوء تفاهم" تمّ تخطيه، وأنّ "اللقاء التشاوري" مستمرّ، بل أنّ عدرا سيكون عضواً فيه وحاضراً لاجتماعاته، فإنّ الواضح أنّ دور "اللقاء" انتفى، خصوصاً بعدما فوّت على نفسه فرصة قد لا تُعوَّض لتوظيف التسوية سياسياً لصالحه، والتباهي بما حققه من "انتصار" كاد يحرج خصومه، فإذا به يحوّل الأمر إلى "هزيمة صافية"، فضحت ردّة فعله الأولية عليها أنه "خضع" لها، بضغوطٍ من هنا أو هناك.

خسائر "متفاوتة"


أبعد من مصير "اللقاء التشاوري"، يمكن القول إنّه كبّد أعضاءه "خسائر" تفاوت حجمها بين عضو وآخر، علماً أنّ النائبين ​قاسم هاشم​ و​الوليد سكرية​ المنتميين إلى كتلتي "التنمية والتحرير" و"الوفاء للمقاومة" قد يكونان الأقلّ تضرّراً، وإن أشارت بعض المعطيات إلى "سجال" نشب بينهما، على خلفية ما حصل، باعتبار أنّ هذين النائبين جاءا أصلاً "ملحقَين" بـ"اللقاء" لرفع عدد أعضائه ليس إلا، ولا يمكن الحديث عن طموحات "شخصية" لأيّ منهما، بعيداً عن "​حزب الله​" ورئيس مجلس النواب ​نبيه بري​.
بعكسهما، قد يكون رئيس حزب "الاتحاد" النائب ​عبد الرحيم مراد​، "الخاسر الأكبر" ممّا حصل، وفق ما يقول البعض، وهو ما قد يدفعه إلى إعادة حساباته في المرحلة المقبلة. فهو بالدرجة الأولى، لم ينجح في توزير نفسه، ولا حتى نجله كحلّ وسط حاول تسويقه، من دون أن يستطيع تحقيق إجماع داخل "اللقاء" عليه، بدليل ما حصل في اليومين الماضيين، ليظهر الأمر وكأنّ كلاً من أعضاء اللقاء يغرّد في سربٍ مستقلّ، ويريد إيصال من يمثله شخصياً وحصراً ليس إلا.
أكثر من ذلك، يعتبر البعض مراد "الخاسر الأكبر" من مسار الأمور داخل "اللقاء"، لأنّه قضى على "وسطيّة" حاول الاقتداء بها خلال المرحلة الأخيرة، والتي برزت خصوصاً من خلال تقاربه مع المملكة العربية السعودية، ومواقفه "المتمايزة" عن قوى "8 آذار" من الكثير من الأمور التي تخصّها، وأبرزها الحرب اليمنيّة أو ما سُمّيت بـ"عاصفة الحزم". وإذا كان البعض اعتقد أنّ مراد يؤسّس لحالة سُنية من خارج "تيار المستقبل" وعلى وفاق مع السعودية، فإنّ انخراطه ضمن هذا "اللقاء" قد يكون أضرّه، خصوصاً في ظلّ وجود "دعاية" واسعة تصوّر "اللقاء" على أنّه "أداة" في يد "حزب الله"، لا أكثر ولا أقلّ.
وانطلاقاً من هذا المعطى نفسه، يمكن وضع النائب ​فيصل كرامي​ في المرتبة الثانية من حيث الخسارة، خصوصاً أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر أنّ أسهم الأخير كانت أكثر ارتفاعاً بكثير قبل "العقدة" منها اليوم، علماً أنّه يحرص دوماً، مثل مراد، على تأكيد علاقته "الجيّدة" مع السعوديّة، وتحديداً مع السفير السعودي الحالي وليد البخاري. ولعلّ "الخطأ القاتل" الذي ارتكبه كرامي، وفق ما يقول البعض، ولو بشكل "عفوي"، كان الذهاب بعيداً في طروحاته في مواجهة الحريري لحدّ تصوير نفسه "بديلاً ممكناً" عنه، علماً أنّه اعتبر الأمر "مبكراً لأوانه"، ليس لأنّ الأمر ليس مطروحاً مثلاً، أو لأنّ الحريري يبقى الأجدر برئاسة الحكومة حالياً، ولكن لأنّ الأخير لا يبدو "في وارد الاعتذار"، في نقطةٍ سجّلها كثيرون عليه.

الرابح الأول


يقول كثيرون إنّ "اللقاء التشاوري" رسب في الامتحان الحقيقي الأول الذي واجهه، وبدل أن يحلّ الأمور داخلياً، تسرّع بفضح خلافاته علناً، ما عقّد محاولات الاحتواء التي بُذِلت في الساعات الماضية، خصوصاً من جانب النائب فيصل كرامي.
وإذا كان كثيرون يتساءلون عمّا إذا كان النائب قاسم هاشم مثلاً يمكن أن يبقى في صفوف "اللقاء" بعد "الإهانات" التي تلقاها من "رفاقه"، يسأل آخرون، ماذا كان ليحصل لو أنّ رئيس الحكومة المكلف اختار هاشم مثلاً ليمثل "اللقاء"، وفقاً لمبادرة "اللقاء" السابقة بتوزير أيّ منهم، وهو المعروف بقربه من رئيس مجلس النواب نبيه بري، بل ينضوي ضمن كتلته؟.
أياً كان الجواب، الأكيد أنّ "اللقاء التشاوري" سقط في الامتحان، والأكيد أكثر أنّ معظم أعضائه باشروا بإعادة حساباتهم، ولو جاهروا بخلاف ذلك، بعدما أدركوا أنّ "اللقاء" أضرّهم أكثر ممّا نفعهم، وأنّ الرابح الأول والأخير قد يكون من رفض من الأصل الانخراط ضمن كتلة "مذهبية"، وتحديداً النائب أسامة سعد...