على عادة الرئيسين الاميركيين اللذين سبقاه الى زيارة ​العراق​ (​جورج بوش​ و​باراك اوباما​)، احيطت الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ الى العراق، بسريّة مطلقة ولم يعلن عنها الا بعد وصوله ولقائه الجنود الاميركيين هناك.
في الشكل، بدت الزيارة وكأنها "روتينية" لمعايدة ​القوات​ العسكرية الاميركية في الخارج، واعطاء دفع معنوي لهم ليستمروا في مهامهم، اما في المضمون، فكلام آخر. كان يمكن لترامب ان يعلن عن الزيارة ويقوم بها بشكل رسمي ويلتقي المسؤولين العراقيين، ولكنه لم يفعل ذلك، لا بل تعقدت الامور اكثر حين تم الاختلاف على اجراء لقاء مع المسؤولين العراقيين فاكتفى بمكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء ​عادل عبد المهدي​. ان الاستمرار في السرية والقلق على السلامة، يعني ان الاميركيين لا يزالون غير واثقين من الاستقرار الامني في العراق، وكلام ترامب الاخير عن التغلب على "داعش" و​الارهاب​ يبدو وكأنه محصور فقط في ​سوريا​، ولم يصل الى غيرها من الدول. ومن غير المفيد عدم حصول لقاء بين ترامب والمسؤولين العراقيين، لان ​الحكومة​ منتخبة حديثاً وكان من المهم بالنسبة اليه ان يظهر تبنّيه لها وانها تحت رعايته، ولكنه على ما يبدو، اراد توجيه رسالة مغايرة تماماً، ما يضع العراق في خانة التكهنات حول استقراره الامني والسياسي، وما ينتظره في الآتي من الايام في هذا المجال.
في المقابل، لم ينجح ترامب في تعويض غياب وزير دفاعه جيم ماتيس الذي استقال بعد ​الاعلان​ عن الانسحاب العسكري الاميركي من سوريا -وهو عنصر اساسي في مثل هذه الزيارات لكن الاختلاف في الرؤية بين الرجلين كان له ثمنه- على الرغم من ان وجود زوجة ترامب الى جانبه حمل معانٍ اضافية، فاكتسبت الزيارة الطابع "العائلي" وكادت ان تنحصر بمناسبة الاعياد، وبالتالي يمكن القول ان الرئيس الاميركي اراد من خلالها تعزيز التأييد الشعبي الداخلي بقيامه بأول زيارة الى مواقع عسكرية خارج البلاد لمناسبة ​عيد الميلاد​، بعد ان كثرت الانتقادات له في هذا الخصوص، كما اعطى وجود ميلانيا لمسة تهدف الى طمأنة القلقين، من ان الزيارة لا تعني انقلاب ترامب على اقواله بالنسبة الى اعادة الجنود الاميركيين الى الوطن. ولان وجوده في العراق ليس لاهداف "عسكرية"، فهو لم يطلق مواقف تصعيدية تجاه اي طرف، واستغل هذا الوجود مع زوجته، لتحصين نسبة تأييد العسكريين له، وهي نسبة لا بأس بها.
اما بالنسبة الى الناحية السياسية والعلاقة مع الحلفاء في المنطقة الذين هالهم قرار الرئيس الاميركي الانسحاب من سوريا، فقد اتت الزيارة في الوقت المناسب لطمأنتهم من ان انسحابه من سوريا لا يعني تخلّيه عن المنطقة او عن التواجد فيها، فهو باق في العراق وفي ​الخليج​ بشكل عام، بمعنى ان ​روسيا​ لن تكون القوّة العظمى الوحيدة المتواجدة في المنطقة، فستبقى ​اميركا​ قادرة على فرض ما تريد حين تريد انما في دول ومناطق محددة، فيما يجب التنسيق مع روسيا في دول ومناطق اخرى.
ساعات قليلة قضاها ترامب وميلانيا على "الاراضي الاميركية في العراق"، ولكنها حملت معان ورسائل كثيرة في اكثر من اتجاه، لن يكون من الصعب تلقفها خلال الفترة القليلة المقبلة، ان في الداخل الاميركي او بالنسبة الى ​السياسة​ الخارجية، في ظل الضغوط التي يرزح تحتها الرئيس الاميركي والتي استطاع حتى الآن تجنبها.