التشاؤم الذي يودّع لبنان به العام 2018 قد لا ينقلب بالضرورة تفاؤلاً مع إستقبال سنة 2019، فالأزمة الحكومية تبدو أبعد من قصة تمثيل «اللقاء التشاوري» بوزير، وأكثر تعقيداً من إعادة توزيع جديد للحقائب الوزارية هي حتى أكثر بكثير من تأمين «الثلث المعطل»، هي في اختصار معركة مبكرة للاستحقاق الرئاسي المقبل، ومعه فإنّ استمرار المعالجات على مستوى العقد الظاهرة قد لا يصيب جوهر المشكلة.

خلال الاشهر الماضية نجح سليمان فرنجية في تعزيز اوراق حظوظه الانتخابية على رغم فوزه بكتلة نيابية محدودة، مصالحته مع سمير جعجع أعطته دفعاً مكمّلاً للاوراق القوية التي يُمسك بها اصلاً، هو صديق الرئيس السوري بشار الاسد الخارج لتوه من الحرب منتصراً، فيما الدول العربية والخليجية تتزاحم لإعادة فتح سفاراتها في دمشق وتسعى لاستمالته ليقف حاجزاً في وجه الطموح التركي بتوسيع نفوذه في الشرق الاوسط من خلال سوريا.

وهو ايضاً بقي صديقاً وحليفاً لـ«حزب الله» على رغم الاختبار الصعب عند قطع الحزب الطريق عليه للدخول الى قصر بعبدا لمصلحة العماد ميشال عون.

وعلى رغم صعوبة الوضع بقي فرنجية حليفاً عنيداً لـ»حزب الله»، وهو كذلك لا يشكل حالة اعتراضية نافرة لتيار»المستقبل» ومن خلفه للسعودية، بدليل انه كان سبق له أن حظي بتأييدهما للرئاسة قبل أن يقطع «حزب الله» عليه الطريق التزاماً بوعده لعون.

وصحيح انّ المصالحة بين فرنجية وجعجع لم ترتكز على أيِّ «صفقة» حول الاستحقاق الرئاسي المقبل، لكنّ روحية هذا التقارب تستند الى حسابات سياسية، إضافة الى الحالة الوجدانية.

جعجع بدوره يحتسب للاستحقاق الرئاسي ويعطي للوقت وقته ولو أنه جهّز من خلال مصالحته مع فرنجية خطة الطوارئ الأخيرة لتعاطيه مع الملف ولكن قبل ذلك هناك خياران آخران يعمل لهما:

الاول، وصوله هو شخصياً الى قصر بعبدا، هو يدرك أنّ حظوظه ضعيفة ولكنه يراهن على أنها غير معدومة، وقد عبّرعن ذلك باحتمال تبدّل المعطيات الإقليمية ما يؤدي الى فتح طريق بعبدا امامه.

ربما يأمل جعجع في أن يؤدي خلطُ الأوراق الإقليمية الحاصل الى تقاطع سعودي - سوري يسمح له بالوصول. ولأنه يدرك صعوبة هذا الإحتمال فإنه يعمل لتجهيز خطة بديلة ثانية تعتمد على إمكانية إيصال مرشح من خارج نادي «ديوك الموارنة» تكون له فيه الحصة الأكبر ومن خلاله الحضورالأكبر داخل السلطة لاحقاً.

ولأنّ هذا الخيار لم يعد سهلاً فهو جهّز خياره الأخير بتأييد ترشيح فرنجية، لكنّ الأهم بالنسبة اليه هوعدم وصول باسيل.

وفي المقابل يسعى باسيل لاستباق الوقت وحسم معركته الرئاسية مستنداً الى الدعم اللامحدود لرئيس الجمهورية. هو يدرك أنّ حسم مسألة ترشيحه يحتاج الى موافقة سنّية («المستقبل») وشيعية (حزب الله). وهو يدرك ايضاً بفعل التجارب المتعددة التي حصلت أنّ الرئيس سعد الحريري لم يكن منزعجاً من التعاون الذي كلّل علاقته بباسيل خلال التجربة الحكومية السابقة، لا بل على العكس فلقد ساد كثير من الانسجام بينهما في كثير من الملفات، ما جعل باسيل يراهن على أنّ الحريري اذا لم يكن مؤيّداً لوصوله الى قصر بعبدا فهو حتماً لن يكون معارضاً له.

لذلك تبقى عقدة «حزب الله» الذي احاط موقفه من الاستحقاق الرئاسي المقبل والمرشحين المطروحين بكثير من الغموض وما يزال.

وخلال المسار الصعب لمحاولة تشكيل الحكومة كانت القطبة المخفيّة في كل المعارك الحاصلة والمتعلقة بتعزيز اوراق باسيل الرئاسية وهو ما تؤمّنه، الى حدّ ما، حيازة «الثلث المعطل».

ومع تفاقم مشكلة تمثيل «اللقاء التشاوري» والذي يعني عملياً اجهاض «الثلث المعطل» التقى باسيل مرتين الامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله، وقيل إنه سعى الى فتح نقاش يؤدّي في نهايته الى حصوله على التزام به كمرشح رئاسي على غرار ما حصل مع عون في مقابل استعادة زخم التعاون في التشكيلة الحكومية، وفي غيرها ايضاً.

لكن ما زاد من غموض الصورة، وربما رفع منسوب القلق، عدم دخول السيد نصرالله في ايّ حوار قد يؤدي الى نقاش من هذا القبيل. وهو ما أدّى لاحقاً الى تباعد بين «التيار الوطني الحر» و»حزب الله»، وحتى بين رئيس الجمهورية و»حزب الله» وسط مواجهات إعلامية وحرب على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن في النهاية ظهر واضحاً انّ «حزب الله» اتّخذ قراره بعدم الخوض في ملف رئاسة الجمهورية منذ الآن وترك المسألة الى أن يحين وقتها، او كما حدّد نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بـ»اسابيع قليلة» قبل موعد الاستحقاق.

ومعه لا تبدو الصورة الحكومية مشرقة أو ايجابية طالما أنّ العقدة الفعلية حول ملف الانتخابات الرئاسية والحصول على وعد مسبق منذ الآن، ما تزال قائمة، ومعه فإنّ التعليق على آمال تفاؤلية لا يبدو واقعياً، ما يعني انّ الافق لا يزال مقفلاً طالما أنّ باسيل ما زال متمسّكاً بـ»الثلث المعطل»، كما أنّ الأزمة بين «التيار الوطني الحر» و»حزب الله» ستبقى قائمة طالما أنّ الحزب سيبقى متمسّكاً بعدم اعطاء التزام مسبق بمرشحه الرئاسي المقبل. ومعه فإنّ الرهان يستند الى عامل الوقت وما قد يحمله من جديد.

لكنّ الوضع الاقتصادي يشهد انهياراً وإقفال مؤسسات وتشريد موظفين وعائلات وارتفاعاً مرعباً في نسبة العاطلين عن العمل، ومعه فتح الطريق أمام انهيار مالي للدولة اللبنانية يعزّز الإقتناع بحصوله تعاطي المصارف المقلق الحاصل في تعاملاتها المالية.

اضف الى ذلك ابتعاد السواد الاعظم من اللبنانيين عن الطبقة السياسية الحاكمة الى درجة الاحتقار وسط دعوات الى المشاركة في تظاهرات واعتصامات تحضّر لها منذ الآن مجموعات غير حزبية.

صحيح انّ حصانة السياسيين تستند الى الانقسام الطائفي، لكنّ المناخ الذي يسود الشارع ليس صحّياً على الاطلاق. والأخطر أنّ ايّ تفكك لمؤسسات الدولة سيدفع بالاوضاع في اتّجاه فوضى يغذيها الانهيار الاقتصادي والذي ينتهي عادة بتسوية سياسية جديدة حول نظام سياسي جديد أو مؤتمر تأسيسي، وسط اجواء اقليمية ملائمة تشهد ولادة عدد من الانظمة السياسية الجديدة للدول مثل سوريا والعراق واليمن وحتى فلسطين، وواقع دولي غير آبه وهو ما يدفع ثمنه الأكراد.

في العام 1989 أدّى الخلاف السياسي حول الاستحقاق الرئاسي الى «حرب التحرير» الشرسة ولكن في نهاية المطاف وصل لبنان الى «إتفاق الطائف» بعد دمار هائل.

فهل يؤدّي الخلاف العنيف حول الاستحقاق الرئاسي المقبل الى فوضى عارمة تؤدّي في نهاية الأمر الى إتفاق جديد ودستور آخر على حساب المسيحيين وما تبقى لهم من نفوذ في السلطة السياسية؟