في الأيام الماضية، عادت الدعوات إلى إجتماع حكومة تصريف الأعمال من جديد، في ظل فشل الجهود الرامية إلى تشكيل الحكومة المقبلة. وعاد معها السجال حول دستوريّة هذا الطرح في ظلّ وجود وجهتي نظر متناقضتين، لكن في حقيقة الأمر فان الخلاف سياسي بالدرجة الأولى.

حزب "القوات اللبنانية" كان السبّاق في الدعوة إلى إجتماع حكومة تصريف الأعمال، منذ أكثر من شهرين، لكن حينها لم يجد من يقف إلى جانبه، أما اليوم فالدعوة جاءت من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بهدف إقرار موازنة العام 2019، بسبب المخاطر الناجمة عن عدم إقرارها، والتي أكد عليها وزير الماليّة في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل، بعد لقائه الأخير مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، عبر تحذيره من أنه "إذا تأخر التشكيل شهراً اضافيا، قد لا تتوفر الأموال لوزارات عديدة".

من الناحية الدستورية، تشير مصادر قانونيّة، عبر "النشرة"، إلى أن ليس هناك من إجماع حول النظرة إلى إحتمال إنعقاد حكومة تصريف الأعمال لإقرار الموازنة، وتؤكّد أن هذا النقاش لا يحسمه إلا وجود توافق وطني حوله، خصوصاً أن التجارب اللبنانية السابقة أثبتت هذا الأمر، وترى أن المشكلة الأساسية في مكان آخر، هو الخلاف حول تشكيل الحكومة بين الأفرقاء المعنيين، نظراً إلى أن إدارة البلاد في ظل المفهوم الضيّق لتصريف الأعمال لا يمكن أن تكون لمدّة مفتوحة.

في هذا السياق، توضح المصادر نفسها أن هناك وجهة نظر دستوريّة، يتبنّاها فريق رئيس المجلس النيابي، تعتبر أن الضرورات تبيح المحظورات، وهي تستند إلى سابقة إقرار حكومة رشيد كرامي المستقيلة، في العام 1969، مشروع الموازنة، وترى أن الوضعين الاقتصادي والمالي يفرضان إقرار موازنة جديدة وعدم الاكتفاء بتطبيق القاعدة الاثني عشرية.

في المقابل، هناك وجهة نظر أخرى تعتبر أن مشروع الموازنة يرتّب أعباء والتزامات لا يجوز لحكومة تصريف الأعمال تولّيها، ومن الممكن الإعتماد على القاعدة الإثني عشرية، بالإضافة إلى إقرار قوانين إعتمادات إستثنائية عند الحاجة، لمواجهة المشاكل التي يستند إليها الفريق الداعي إلى إجتماع الحكومة.

من وجهة نظر مصادر سياسيّة مطلعة، المشكلة الحاليّة ليست دستوريّة، نظراً إلى أن إنعقاد مجلس الوزراء يعني بشكل أساسي الاعتراف بالفشل في تشكيل الحكومة من جهة، والمؤشر على أنها لن تبصر النور في وقت قريب من جهة ثانية، في حين يحرص المعنيّون على بثّ رسائل إيجابيّة، بشكل شبه دائم، حول هذا الموضوع، وبالتالي لا يمكن تصوّر موافقة كل من تيّار "المستقبل" و"التيّار الوطني الحر" على هذا الأمر.

وتشير هذه المصادر، عبر "النشرة"، إلى أن هذا الطرح لم يجد عملياً رفضاً حاسماً من جانب رئيس الحكومة المكلّف، كما أنه لم يجد في المقابل ترحيباً به، ولا من القوى السياسية الأساسية في البلاد، إلا أنها ترى أن هذه الفكرة قد تكون الملاذ الأخير لتأمين الأموال لبعض الوزارات، بحال لم تشكّل الحكومة في وقت قريب، وبالتالي هي ستعود إلى الواجهة من جديد في الأيام التي تسبق نفاذ الأموال في تلك الوزرات.

في المحصلة، لا تنفي المصادر نفسها المعلومات عن أن هذا الطرح يعتبر، بمكان ما، بمثابة الضغط السياسي باتجاه تشكيل الحكومة، الذي يضاف إلى الضغوط الشعبية والنقابية والعمالية في المرحلة الراهنة، إلا أنها تؤكد أنه على علاقة وثيقة بميزانية الدولة وخزينتها العامة وشؤونها الماليّة أيضاً، وتذكر بأنّ وزير الماليّة في حكومة تصريف الأعمال سبق له أن أعلن عدم وجود ليرة واحدة في إحتياطي الموازنة، وبالتالي الحلّ الأفضل هو الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة.