لا تجد لبنانيا واحداً يعتبر النظام الطائفي مجدياً الآن. سقطت التجربة، وآن الآوان للانتقال من نظام فاشل، الى نظام الدولة المدنيّة. لم يعد بمقدور البلد أن يتحمّل تعطيلاً، ولا تراجعاً، أو جموداً. لم يعد بمقدوره أن يتحمل خلافات طائفية ترهن الأجيال عند حسابات الزعماء، المغلّفة بعنوان: حقوق الطوائف. أين تكمن مصلحة المسلمين اذا كان السياسي المسؤول مسلماً فاسدا؟ وأين هي مصلحة المسيحيين إذا كان السياسي المسؤول مسيحياً عاطلاً؟ ماذا يستفيد اللبنانيون من توزيع طائفي مسيء، لا يهتمّ بمعايير القدرات والابداعات البشرية؟ في وقت يحتاج فيه البلد الى فرض الكفاءات عنوانا واحداً لتولي المسؤولية.

جرّب اللبنانيون نظاماً طائفيا طيلة عقود من الزمن، وإستنتجوا فشله. فلا شعارات الطوائف افادت اللبنانيين، ولا إستعراضات القوّة أطعمت جائعاً، أو وظّفت الخرّيجين العاطلين عن العمل، أو منعت هجرة الادمغة، أو حقّقت العدالة الاجتماعية، أو اوقفت الفساد المستشري، او حاسبت مرتكباً، أو زجّت سارقاً في السجن، أو اعادت حقوق الناس لأصحابها، أو استثمرت بالإنسان وبالثروات الطبيعية، أو حدّت من التدحرج المالي نحو الهاوية. ان لبنان القويّ، والجمهوريّة القويّة، لا يكونا الّا بالدولة المدنيّة التي تضمن مستقبل الأجيال. فلا فائدة من شعارات مرهونة بحسابات فئويّة ضيّقة.

لم يعد مقبولاً الإكتفاء فقط بطرح دراسة كيفية الغاء الطائفيّة السياسيّة، كما نصّ اتفاق الطائف، بل المطلوب الغاء الطائفيّة والذهاب نحو دولة مدنيّة تضمن حقوق الأديان، وتحمي جميع الأقليات.

لقد سبقتنا منذ عقود طويلة دول، فرضت المدنيّة بالقوّة، كما في فرنسا (المسيحيّة) وتركيا (الاسلاميّة). او دول طبّقت المدنيّة بالتراضي، كما حصل في البلدان الانغلوساكسونية.

وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة في إطلاق الطاقة البشريّة الخلاّقة.

ولذلك يوجد امام لبنان خياران: اما فرض الدولة المدنيّة بالتوافق، كما يطرح رئيس مجلس النواب نبيه بري الآن، وهو الأنسب للبلد، والاّ فرض الدولة المدنية بالقوّة، وذلك سيحلّ لاحقا، وقد يكون في الغد القريب، في حال تمّ رفض طرح بري. هذا منطق الأمور، نتيجة الوصول الى قناعة شعبيّة عامة، حول فشل النظام الطائفي الحالي، وإستعداد الناس للثورة.

واذا كان الرافضون يختبئون خلف الدين ستاراً لرفضهم، فإن أهداف كل الاديان هي مصلحة الانسان، فأين المصلحة الشعبيّة بنظام لبناني مهترئ؟ إنّ المصلحة تكمن بالدولة القائمة على الإعتراف بحقوق الانسان، بغضّ النظر عن دينه، أو مستواه الإجتماعي.

يقول لوثر كينغ: يجب ان نتعلّم أن نعيش معاً كالأخوة، لئلا نموت معاً كالبلهاء".

لا بدّ من وضع معايير مدنيّة، تبدّد هواجس الطوائف، والاقلّيات التي تشكّل معاً النسيج اللبناني. فلا مسّ بالإيمان الموزّع بحسب انتماءات الافراد، لا بل على العكس، فإنّ الدولة المدنيّة تضمن حقوق المواطنين، كما حال تركيا واندونيسيا، والمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأميركيّة. فلماذا يُمنع على لبنان ان يرتقي الى مستوى الدول المتقدمة؟!.

اذا كان قيل سابقا ان هناك خوفا من المناخ الطائفي السائد في المنطقة، فأين أصبح ذاك المناخ؟ الم يسقط في سوريا كمثال؟ انتصرت الدولة السوريّة بمفهومها المدني، ولم يُفرض عليها أيّ دستور ديني، ولا تقسيمات طائفيّة، ولا تغييرات في الحدود الجغرافيّة. بقيت الحدود الوطنيّة مقدّسة، ما يعني بقاء الدولة بجوهرها المدني لا الطائفي.

امّا من يعارض من الموارنة المسيحيين بداعي القلق من تكاثر أعداد المسلمين، فلا بدّ من التحرر من عقدة الخوف، لأنّ المسيحيين طائفة نخبويّة، تُنتج كفاءات فكريّة وعلميّة، تفرض نفسها في الريادة الوطنيّة، كما هو واقع الحال.

إنّ المصلحة المسيحيّة الآن تقضي بالذهاب الى دولة مدنيّة، تضمن حقوق الانسان، مع تأمين كل الضمانات لكل الأقليّات. والاّ ما الضمانة ان تخرج الأجيال المسلمة غدا الى لعبة الاعداد الخطيرة، للقول ان 17% من المسيحيين، لا يجوز ان ينالوا المكاسب بمقدار 83%؟ هنا ستحلّ الكارثة العظمى بالبلد.

لذلك فإنّ طرح بري اليوم هو استباق للمشكلة الآتية، والتي باتت تتردّد في أحاديث اللبنانيين.

والمطلوب تأليف هيئة وطنيّة سريعاً، ووضع الشؤون التفصيليّة بيد الاخصائيين الحقوقيين والقانونيين، للتنصل من نظام فاشل، ووضع مداميك نظام مدني حديث، يواكب متغيرات العصر.