عندما تحدّث رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ من ​بكركي​ عن أنّ "عدم تشكيل (الحُكومة) سببه معركة سياسيّة، ويبدو أنّ هناك تغييرًا في التقاليد والأعراف"، تضاربت التفسيرات إلى حدّ التناقض. لكنّ قراءة مُتأنّية لما حصل ويحصل منذ أشهر يُحدّد المَسؤوليّات والمُخالفات بوضوح.
بالنسبة إلى مسار تشكيل ​الحكومة​، ينصّ البند الثاني من المادة 64 في الدُستور ال​لبنان​ي على أنّ رئيس ​مجلس الوزراء​ (أي رئيس الحُكومة المُكلّف في هذه الحال) "يُجري الإستشارات النيابيّة لتشكيل الحُكومة، ويُوقّع مع ​رئيس الجمهورية​ مرسوم تشكيلها". وينصّ البند الرابع من المادة 53 أنّ رئيس الجُمهوريّة "يُصدر بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحُكومة ومراسيم قُبول إستقالة الوزراء أو إقالتهم". وبالتالي إنّ كل ما حصل خلال الأشهر الماضية منذ تكليف رئيس "تيار المُستقبل" ​سعد الحريري​ مُهمّة تشكيل الحُكومة ​الجديدة​ من قبل أغلبيّة نيابيّة واسعة، يُمثّل خروجًا عن التقاليد والأعراف وحتى عن الدُستور.
صحيح أنّ على رئيس الحُكومة المُكلّف إجراء الإتصالات اللازمة مع مُختلف القوى السياسيّة الرئيسة لتأمين حُصول الحُكومة على ثقة مجلس النوّاب بأغلبيّة مُريحة لتتمكّن من الحُكم، وصحيح أنّ على رئيس الجُمهوريّة الحرص على أن تكون الحُكومة مُتوازنة وميثاقية وتتمتّع بدعم نيابي وشعبي واسع، لكنّ الأصحّ أنّ أحدًا من القوى والأحزاب السياسيّة في لبنان-مهما على شأنه، لا يحقّ له التدخّل في ​تفاصيل​ عمليّة التشكيل، كما حصل مع أكثر من حزب سياسي، وبالتأكيد لا يحقّ لأي طرف أو جهة وضع "فيتو" ورفض تسليم أسماء وزرائه للضغط لتنفيذ مطالب مُحدّدة!.
أكثر من ذلك، إنّ رفض بعض القوى السياسيّة مبدأ المُداورة على مُستوى الحقائب الوزاريّة هو خروج آخر عن التقاليد والأعراف وضرب للدُستور، حيث أنّ التمسّك ب​وزارة المال​ من جانب "الثُنائي الشيعي" مثلاً هو من أجل فرض إشراك "التوقيع الشيعي"-إذا جاز التعبير، على القوانين المُهمّة التي تحمل توقيعي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، أي عمليًا "التوقيع المسيحي والماروني تحديدًا" و"التوقيع السُنّي". وهذه الخُطوة هي مُحاولة مكشوفة لفرض أعراف وتقاليد جديدة، طالما أنّ إمكان تعديل الدُستور وفق موازين القوى الحاليّة مُتعذّر في المرحلة الراهنة.
وبالتالي، لا يُمكن القول إنّ ما يحصل اليوم من رفض لتسليم أسماء وزراء "​حزب الله​" في الحُكومة المُقبلة، للضغط لصالح حسم مطلب توزير أحد نوّاب "​اللقاء التشاوري​" أو من يُمثّلهم، مَفصول عن الصراع السياسي الداخلي في لبنان، والذي لم ينجح "​إتفاق الطائف​" في طيّ صفحته، على الرغم من كل التنازلات الكبيرة التي قدّمها الجانب المسيحي آنذاك، نتيجة إختلال موازين القوى الداخليّة في حينه، والضُغوط الإقليميّة والدَوليّة على القوى المسيحيّة، إضافة إلى إنقسام خطير ضرب صُفوفهم. وهذا الصراع السياسي لا يقتصر على رفض الجهات الشيعيّة الأساسيّة عدم إشراكها في عمليّة تشكيل الحُكومات فحسب، بل يشمل مُحاولتها فرض توازنات سياسيّة داخل الحُكومة نفسها، وفقًا لوجهة نظرها، وتبعًا لتطورات صبّت في مصلحتها على المُستوى الإقليمي، أيّ أنّ "الثنائي الشيعي" يعتبر أنّ التوازنات الداخليّة التي كانت قائمة منذ العام 2005 حتى الأمس القريب، لم تعد صالحة للتطبيق حاليًا بعد ظُهور نتائج الإنتخابات النيابيّة التي جرت وفق القانون النسبي، وكذلك بعد الفشل في إسقاط النظام السُوري أو في إضعاف "محور المُقاومة والمُمانعة" على المُستوى الإقليمي.
والمسألة مثلاً ليست في المُطالبة بضرورة وُجود ثنائيّة على مُستوى التمثيل السُنّي، بل في تعويم جهات سياسيّة مؤيّدة ل​سوريا​ كان جرى إبعادها عن السُلطة في لبنان منذ العام 2005 بعد إنقلاب "تيّار المُستقبل" على النظام السُوري إثر جريمة إغتيال رئيس الحكومة الأسبق ​رفيق الحريري​. والمسألة أيضًا ليست في تصويت الوزير السُنّي السادس تبعًا لتوجيهات "اللقاء التشاوري" أو رئيس الجمهوريّة، بل في رفض تسليم الفريق المسيحي الأقوى المُتمثّل في "التيار الوطني الحُرّ" بالتحالف مع رئيس الجمهورية، أغلبيّة الثلث زائد واحد، لأنّ في هذا التسليم تعويمًا لسُلطة تنفيذيّة مُهمّة بشكل أو بآخر، علمًا أنّه كان سبق وأن جرى سحب هذه السُلطة دُستوريًا من المسيحيّين في "إتفاق الطائف" تحت وطأة ضُغوط القصف الصاروخي والمدفعي.
وفي الخُلاصة، وإذا ما إستمرّ هذا الضرب للتقاليد وللأعراف ولبنود الدُستور قائمًا، فإنّ دعوة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لتعويم الحُكومة الحاليّة المُستقيلة بموجب القانون، بهدف إقرار مُوازنة العام 2019، بحجّة أنّ الضرورات تبيح المحظورات، ستُصبح عندها خطوة إضافيّة أخرى غير دُستورية، لكن مُمكنة وربما مقبولة عمليًّا، طالما أنّ تطبيق الدُستور بات في خبر كان، وأنّ الشواذ صار هو القاعدة!.