لا ينفك المسؤولون الاسرائيليون يتبجّحون بقدراتهم العسكرية والتكنولوجية المتطورة والقادرة على مضاهاة دول كبرى في هذا المجال. ولكن، في المقلب الآخر، تراهم يسارعون الى الشكوى والقلق ورفع الصوت من امكان تعرضهم لاعتدءات عسكريّة وامنيّة و"سيبرانّية" (أيّ هجمات عبر الشبكة الالكترونية). يحتار المرء في امرهم، فهل يصدق ان قدرتهم خارقة ام انهم "ضحايا" يطلبون المساعدة الدوليّة لوقف الهجوم عليهم؟!.

في الشق الاول من الموضوع، لا شك ان الهالة الاسرائيليّة العسكريّة التي كان اكتسبها الاسرائيليّون من خلال حروبهم مع العرب في اعوام 1948 و1967 و1973 ووصفهم بـ"الجيش الذي لا يُقهر" بقيت مستمرّة معهم حتى الامس القريب، وقد عزّزها بطبيعة الحال الالتفاف الاميركي والغربي حولهم ومدّهم بالاسلحة العسكريّة و"الدروع الدبلوماسيّة" من على منابر العالم اجمع. ولكن مع الانتفاضات الفلسطينيّة وبعد حرب العام 2006 والمواجهات التي حصلت في غزّة، باتت هذه الاسطورة مهزوزة واصبحت عرضة للتشكيك، فيما جنح الاسرائيليّون نحو الاستعانة بالولايات المتّحدة وغيرها من الدول في سبيل جرّهم الى معارك عسكريّة ضد الفلسطينيين والايرانيين، او ممارسة ضغوط اقتصاديّة ودبلوماسيّة عليهم.

في الشق الثاني، أيّ في مسألة الهجمات الالكترونيّة، ارتفع الصوت المحذّر من امكان تعرض الاسرائيليين لهجمات "سيبرانيّة" خلال الانتخابات المبكرة التي كان قرّر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو اجراءها بعد خضات سياسية تعرض لها وتصدّع تحالفاته. واستندت هذه الاصوات الى الاتّهامات التي وجهتها الولايات المتحدة الى روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسيّة الماضية. الروس سارعوا الى نفي الاتهامات الاسرائيليّة على غرار ما قاموا به في مواجهة الاتهامات الاميركيّة. ولكن الغريب في الاتهامات الاسرائيليّة انها تأتي في وقت حرج بالنسبة الى نتانياهو الذي لم يتأخّر في استغلال الوضع لبعث "الطمأنينة" في قلوب الاسرائيليين لجهة القدرة على مواجهة ايّ هجمة من هذا النوع، ما يعني انه يقدّم نفسه "حامياً" لهم من الناحية التكنولوجيّة بعد ان قدّم نفسه لعقود من الزمن على انه "الحامي" لهم امنياً وعسكرياً. اضافة الى ذلك، كان من المستغرب ايضاً عدم توجيه اصابع الاتّهام الى ايران، ولكن قد يكون الجواب الاسهل في هذا المجال في عدم وقوع نتّنياهو في تناقض كبير، لانّه تفاخر منذ اشهر بتمكنه من اختراق الاستخبارات الايرانيّة ودفاعاتها "السيبرانيّة" للكشف عن مواقع كانت حاضرة لتخصيب اليورانيوم، ناهيك عن تلميحه بمسؤوليّة اسرائيل واميركا عن هجمات الكترونيّة تعرّضت لها طهران في الفترة الاخيرة من العام المنصرم. وبالتالي، ليس من المنطق ان يناقض نتانياهو نفسه بالقول ان ايران تشكل خطراً الكترونياً على اسرائيل. وفي السياق نفسه، لا يجب ان ننسى ان الاسرائيليين يعملون على اختراق الوسائل الالكترونيّة لـ"حزب الله" الذي يستعين بتقنيّات ايرانيّة في هذا المجال، وأيّ نجاح في هذا الخرق يعزّز التفوق الاسرائيلي ويدحض بالتالي أيّ ذريعة يمكن تقديمها للتعرض لهجمات "سيبرانيّة".

وقد بات من المسلّم به ان نتانياهو محرج وهو بعد ان اقفل الباب امام الخيار العسكري الذي كان ينقذه في كل مرة، فتح خيار الباب الالكتروني الذي قد يجد فيه ملاذه للقول للاسرائيليين انه الحلّ الوحيد الباقي لهم لحمايتهم من مخاطر هذه الهجمات، وان بقاءه في السلطة يعني القدرة على تعزيز هذا التفوّق، والا فإنّهم سيكونون عرضة لـ"القرصنة"، وهو امر يرعبهم بمقدار خوفهم من الهجمات العسكريّة ضدّهم.

مرة جديدة يلجأ نتانياهو الى سياسة الترغيب والترهيب للبقاء في السلطة، ولكن هذه المرّة عبر مسار جديد مختلف عن حقل طالما اعتمده وبرع فيه امام الاسرائيليين، فهل سيكون التهويل الالكتروني جسر عبوره الى السلطة ام جسر دخوله المعارضة وامكان انتهاء حياته السياسية؟!.