ليس ل​ليبيا​ مكانة خاصة عند ا​لبنان​يين، ولا هي من الدول التي تؤثر بشكل مباشر عليهم، كما انه كانت لها (ابّان عهد الرئيس الراحل ​معمر القذافي​) مشاركات سلبيّة على المستوى اللبناني عسكرياً واقتصادياً، اضافة طبعاً الى الملف الاهم وهو قضية تغييب ​الامام موسى الصدر​ ورفيقيه. ولكن، رغم كل ذلك، ما حصل اخيراً ليس له تبعات على ليبيا، انما على لبنان. وفي حين أن الازمة انتهت باعلان وزير الخارجية في ​حكومة​ الوفاق الليبيّة محمد سيالة "مقاطعة" بلاده للقمّة العربيّة التنمويّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تستضيفها ​بيروت​ نهاية الاسبوع الحالي، فإنّ ما شهدته العاصمة اللبنانيّة في هذا الموضوع حمل تداعيات مسيئة لصورة لبنان في الخارج وللعلاقة التي تربط ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ برئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​.

في القسم الاول من الموضوع، المتعلق بصورة لبنان في الخارج، اعطى ما حدث ذريعة مهمة للدول التي تهدف الى اذية لبنان سياسياً ودبلوماسياً عبر القول ان طرفاً يتحكم بالوضع اللبناني وليس الدولة، وان ما حصل يثبت ذلك ويجب المبادرة الى "انقاذ" لبنان من هيمنة هذا الطرف عليه... والاساءة الى لبنان تأتي ايضاً من الباب الاقتصادي، لانّ القمّة ستبحث شؤوناً اقتصاديّة وتنمويّة واجتماعيّة ولو انها ستتطرق -خلال لقاءات للقادة والزعماء فقط بين بعضهم- الى المسائل السياسيّة، وهو امر يعود على لبنان بالفائدة مهما كانت هذه الاستفادة نسبيّة او شكّلت فقط مجرّد وعود. والاهمّ من ذلك، ان البوّابة الرئيسيّة للبنان، ايّ المطار، بات "رهينة" عند البعض يتحكّم فيه كما يشاء، وهو ما لا يمكن لأيّ عاقل أنْ يقبل به أكان لبنانياً ام متوجّهاً الى لبنان، لانّ المطار هو للجميع وليس عرضة لإغلاق طرقاته او فتحها وفقاً لرغبة طرف لبناني، اياً كان.
اما في القسم الثاني من الموضوع، أيّ العلاقة بين عون وبري، فهي عادت الى الاحتدام وبدرجة عالية، رغم التبريرات غير المقنعة التي حاول بعض النواب ترويجها من أنّ المسألة لا تستهدف رئيس الجمهورية، لانّه في الواقع، هناك مؤشرات لا تعدّ ولا تحصى كلّها تفيد أنّه هو المستهدف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، انّه هو من انيطت به ترتيبات القمّة من أَلِفِها الى يائِها، وانه هو المعني بصورة لبنان في الخارج، كما أنّه في الداخل. فأثيرت اولاً قضية عدم المشاركة السوريّة (وقد تمّ تفسير ذلك مراراً وتكراراً من انه مسؤوليّة الجامعة وليس مسؤوليّة لبنان) في الفترة القليلة الفاصلة عن موعد انعقاد القمّة وبشكل مفاجىء، قبل أنْ يتمّ اظهار الرئيس وكأنّه غير معني بقضيّة الامام الصدر او على الاقلّ لا يكترث لها، فيما الواقع بعيد عن هذا الايحاء، بشهادة السيدة ​رباب الصدر​ التي زارت ​القصر الجمهوري​ اكثر من مرّة.
وقد عمد مؤيّدو بري الى استهداف عون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو استهداف مباشر انما بشكل غير رسمي. وبعد اعلان ليبيا عن انسحابها، لن يتأخّر هؤلاء وغيرهم في اعتبار ما حصل بمثابة "انجاز" و"غلبة" لبري على عون. ولكن المستغرب فعلاً هو "الاستفاقة" المتأخّرة لهؤلاء قبل ايّام فقط من انعقاد القمّة، وسبب تصعيد تحركّهم والوعود بالويل والثبور وعظائم الامور في حين انه في العام 2002 اكتفوا بتسجيل تحفّظهم واعتراضهم على الوجود الليبي في القمة العربيّة (غير الاقتصاديّة) بل السياسيّة وبامتياز، وفي عهد القذّافي بالذات وهو المتّهم الرئيسي بخطف الامام المغيّب، فهل كان التواجد العسكري السوري في حينه هو الضمانة لعدم "الاستهتار" بقضيّة الامام وهل أثيرت المسألة او حصل تقدم فيها بعد القمة؟!.
واللافت فعلاً، هو ما صدر عن برّي من كلام حول "6 شباط"(1)، مع كل ما يعنيه ذلك من أحداث ومواجهات دامية حصلت، والاكثر خطورة هو تشبيهه مسألة مشاركة ليبيا باتفاق 17 ايار! وازاء ذلك، اليس من الأسلم والافضل أنْ يعمد برّي وهو رئيس لمجلس النوّاب، ان يطرح مسألة قطع العلاقات مع ليبيا، فيكتسب الموضوع صفة رسميّة وشاملة؟!.
باختصار، لا يمكن القول ان بري انتصر على عون، فالمعركة لم تكن بينهما في الاصل، بل أوجدها البعض لأسباب خاصة، ولكن الخاسر حتماً هو صورة لبنان الدولة.

(1) في 6 شباط من العام 1984، قاد رئيس ​حركة أمل​ ورئيس ​المجلس النيابي​ نبيه بري تحركات رافضة لاتفاق 17 ايار، أدّت الى إسقاطه.