النظريّات المُرتبطة بكل من القمّة العربيّة التنمويّة، والملفّ الحُكومي، والعلاقة بين "الوطني الحُرّ" و"المُستقبل"، والوضع الأمني في ​الجنوب​... مُتضاربة إلى حد التناقض التام! فما هي هذه النظريّات، وأين هي الحقيقة؟.
بالنسبة إلى القمّة العربيّة التنمويّة الإقتصاديّة والإجتماعيّة التي إنعقدت في ​بيروت​، فقد تضاربت النظريّات بشأن الجهات التي سعت لإفشالها، أو أقلّه لتخفيض مُستوى تمثيل الوُفود فيها، حيث جاء في إحدى النظريّات عن أنّ رفض محور "المُقاومة والمُمانعة" عدم دعوة ​سوريا​ إلى القمّة، دفعه إلى تحريك الشارع في بعض العراضات المُسيئة ل​ليبيا​ على خلفيّة موقف السُلطات الليبيّة الحاليّة من جريمة إخفاء الإمام ​موسى الصدر​ قبل أربعة عُقود، بالتزامن مع إطلاق بعض التهديدات وبثّ إشاعات عن خروقات أمنيّة مُنتظرة، وذلك لتخويف الوافدين. في المُقابل، تحدّثت نظريّة ثانية عن معلومات مُتضاربة تمامًا، حيث حمّلت بعض الدول الخليجيّة مسؤولية خفض مُستوى التمثيل خلال القمّة، بغطاء أميركي، وذلك للضغط على ​لبنان​ ولتوجيه رسالة حازمة إلى قياديّيه، مفادها أنّ الإنصياع سياسيًا للمحور الإيراني سيُقابله جفاء من جانب الكثير من الدول العربيّة والخليجيّة بالتحديد، الأمر الذي دفع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الردّ دبلوماسيًا على خُصومه الخليجيّين والعودة عن قراره بالتغيّب عن القمّة، ولوّ أن حُضوره إقتصر على بضع ساعات. وجاء في النظريّة الثالثة التي تناولت القمّة أيضًا، أنّ مجموعة من المصالح المحليّة والإقليميّة المُتضاربة تقاطعت عن غير قصد، على السعي لإفشال ​الدورة​ الرابعة من القمة العربيّة.
بالإنتقال إلى الملفّ الحُكومي، وبعد أن تأكّد الجميع أنّ إقتراحات "تصغير" الحُكومة لا تحلّ المُشكلة، لأنّ المُطالبين بتمثيل نوّاب "​اللقاء التشاوري​" يُصرّون على موقفهم، بغضّ النظر عن عدد وزراء ​الحكومة​، تركّزت مُحادثات الساعات الأخيرة على "تكبير" الحكومة، أي توسيعها إلى 32 وزيرًا، في مُحاولة لحلّ المُعضلة القائمة. لكنّ هذه الجُهود إصطدمت أيضًا بمُعارضة من هذه الجهة أو تلك، حيث حمّلت النظريات المُتضاربة مرّة جديدة أطرافًا مُختلفة مسؤوليّة إستمرار التعثّر. وفي هذا السياق، جاء في إحدى النظريّات أنّ "الثنائي الشيعي" رفض ما طُرح من حلّ في الساعات الماضية، لجهة إضافة وزير سنّي سابع ووزير عن الأقليّات المسيحيّة، بحجّة التسبّب بخلل تمثيلي على مُستوى التوزيع المذهبي، في مُقابل تحميل نظريّة أخرى، رئيس الحُكومة المُكلّف ​سعد الحريري​ مسؤولية فشل جُهود الساعات الأخيرة، كونه رفض إضافة وزير علوي ووزير عن الأقليّات المسيحيّة، حتى لوّ مع حُصوله على تأكيدات بأنّ هذه الخُطوة ستُعتمد لمرّة واحدة، وعلى تعهّدات بعدم تثبيت أي عُرف في هذا المجال، لما يُسبّبه من خلل على مُستوى التمثيل المذهبي في الحُكومة إنطلاقًا من المنطق نفسه!.
بالنسبة إلى العلاقة بين "التيّار الوطني الحُرّ" و"تيّار المُستقبل"، النظريّات المُتضاربة قائمة أيضًا، حيث تعزو إحداها رفض القوى المُصنّفة في خانة محور "المُقاومة والمُمانعة" منح "الثلث زائد واحد" حُكوميًا، لكل من "التيّار الوطني الحُرّ" ورئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​، إلى التفاهم المتين-ولوّ غير المُعلن، بين التيّارين "البُرتقالي" و"الأزرق"، والخاص بكامل فترة عهد العماد عون الرئاسي، الأمر الذي منح رئيس "تيّار المُستقبل" حصانة سياسيّة داخليّة مكّنته من التثبّت في مواقفه، وعدم الإنصياع لضُغوط "الثنائي الشيعي"، على الرغم من أنّ ميزان القوى مائل لغير مصلحته إقليميًا. في المُقابل، توجد نظريّة أخرى مُناقضة تتحدّث عن أنّ العلاقة حاليًا بين التيّارين "البُرتقالي" و"الأزرق" سيّئة، لأنّ "التيّار الوطني الحُرّ" يضغط للتطبيع مع سوريا مُتجاوزًا سُلطات الحكومة المُستقيلة، ويطرح حُلولاً لمسألة النازحين السُوريّين في لبنان لا تتوافق مع طروحات "تيّار المُستقبل" لهذا الموضوع، ويضغط على رئيس الحُكومة المُكلّف ليختار بسرعة أحد الإقتراحات الحُكوميّة المُتعدّدة التي طرحها وزير الخارجيّة في حكومة ​تصريف الأعمال​ ​جبران باسيل​ عليه أخيرًا.
بالإنتقال إلى الوضع الأمني في الجنوب، التضارب واضح أيضًا بين نظريّتين، حيث تؤكّد الأولى أنّ الإستقرار هو سيّد الموقف في المدى المنظور، وفي المدى المُتوسّط أيضًا، لأنّ الهدوء القائم منذ حرب تمّوز 2006، وما تلاها من قرارات ومن إنتشار عسكري للجيش اللبناني وللقوّات الدوليّة، مُرشّح للإستمرار في المرحلة المُقبلة، بموافقة ضُمنيّة من مُختلف الأطراف المعنيّة، بغضّ النظر عن الخروقات ال​إسرائيل​يّة المُتكرّرة، وعن التصاريح الإعلاميّة العالية السقف بين الحين والآخر. أمّا النظريّة الثانية فتتحدّث عن مسار تصعيدي واضح، على المُستويين العسكري والسياسي، بين إسرائيل من جهة، وكل من سوريا ولبنان وإيران من جهة أخرى، وانّ هذا المسار الذي يترافق مع تصعيد للضربات الصاروخيّة وللغارات الإسرائيليّة ضُدّ أهداف سوريّة وإيرانيّة في سوريا، في ظلّ الإحتقان داخل إسرائيل بسبب إستمرار العدّ العكسي للإنتخابات المُبكرة، والتي جرى تقديم موعدها من تشرين الثاني إلى مطلع نيسان المقبل، سيتسبّب في نهاية المطاف بردّ عسكري قاسٍ قد يقود إلى مُواجهة عسكريّة واسعة لن يكون لبنان بمنأى عنها–حتى لو أراد ذلك!
في الختام، لا شكّ أنّ الآراء المُتضاربة والنظريّات المُتناقضة في ما خصّ المواضيع والملفّات المذكورة أعلاه، تعكس الصراع الحاد القائم في لبنان والمنطقة حاليًا، والتموضعات المُتقابلة لمُختلف الأطراف المعنيّين. ومن الصعب وسط هذا الغُبار المُتصاعد تبنّي هذه النظريّة أو تلك، في ظلّ غياب الأدلّة الدامغة، لكنّ الأكيد أنّ الحقيقة المُرّة والخالية من الأجواء الضبابيّة، مفادها أنّ لبنان ليس بألف خير حاليًا، ما يستوجب تحرّكًا غير تقليديّ من جانب القيادات الأساسيّة، لفصل مسائل قيام الدولة وتثبيت أسسها والنهوض بالأوضاع العامة على مُختلف الصُعد، عن كل هذا الجوّ السلبي المُخيّم على منطقة ​الشرق الأوسط​. والمدخل إلى ذلك يبدأ بفرض مبدأ "​النأي بالنفس​" عن الملفّات الإقليميّة، للإهتمام بالمشاكل اللبنانيّة الصرف، بعيدًا عن الإرتدادات السلبيّة لصراعات المنطقة، والمحاور الإقليميّة والدَوليّة.