أكملت ​إيران​ تحضيراتها لأيّ تطور عسكري محتمل في المنطقة، فأجرت ​مناورات​ "اقتدار 97 الكبرى" في محافظة أصفهان بمشاركة 12 ألفا من عناصر قوات النخبة الهجومية في جيشها، بالإضافة إلى مدرعات ومروحيات ومقاتلات وطائرات مسيرة، جرّبت خلالها استراتيجية هجومية جديدة.
صُنّفت المناورات العسكرية الإيرانية بأنها الأكبر منذ فترة، فبالإضافة الى العدد الضخم من الجنود، استُخدمت بالمناورات 1577 مدفعية، عشرات المروحيات التي قامت بإنزالات، واستهدفت النقاط المطلوبة بقذائف موجهة. كانت النتيجة نجاح المناورات عسكريا، ولكن ماذا عن الجانب الآخر لها؟.
مع خروج ​الولايات المتحدة​ الأميركية من ​الاتفاق النووي​ الإيراني، وُجهّت الأنظار نحو الدول الأوروبيّة الكبرى التي أعلنت تمسّكها بالإتفاق، الأمر الذي وطّد علاقات إيران مع الأوروبيين وعلى رأسهم ​فرنسا​ التي تجد في السوق الإيراني فرصة ذهبية لها للاستثمار، وهو ما فعلته الشركات الفرنسية الكبرى لحظة إعلان الاتفاق النووي وإزالة العقوبات الدولية عن ​طهران​.
لا تزال ​اوروبا​ باحثة عن وسائل "الاحتيال" على ​العقوبات الأميركية​ على طهران، ولكنها لم تعد قادرة على تحمّل الضغط الأميركي عليها بشأن علاقاتها مع إيران، خصوصا بعد أن وجدت ​الولايات المتحدة الأميركية​ أن عقوباتها لا تؤثر على ​النظام الإيراني​ بسبب الدعم الكامل الذي يلقاه من ​الاتحاد الأوروبي​. إن هذا الضغط الأميركي جعل الدول الاوروبية تصعّد من وتيرة انتقادها لطهران من باب "​الصواريخ​ الباليستية" و"النشاط العسكري في ​سوريا​"، ولكنها بالوقت نفسه لم تتخلّ عن طموحها الاقتصادي، اذ تعمل بالتوازي على تحضير الأرضيّة للبد بالعمل بـ"الآلية الماليّة الأوروبية SPV" التي تتيح لها متابعة نشاطها التجاري والمالي مع إيران.
تعرّضت هذه الآليّة الماليّة التي تأتي ضمن ورقة تضم 10 بنود، بعضها يتحدث عن القلق الأوروبي من النشاط العسكري الصاروخي الإيراني، لضغط أميركي سابق أدى لتأجيل إطلاقها في تشرين الثاني الماضي، مع العلم أن الإصرار الاوروبي عليها جعلها مصدر قلق أميركي، ومصدر زعزعة سياسيّة إيرانيا، اذ يرى معارضون ايرانيون أن "قناة التبادل المالي الاوروبيّة المقترحة، تشكّل مخططا ضد إيران، مشيرين الى أنه لو كان للأوروبيين نوايا إيجابيّة تجاه طهران لعملوا على إنشاء مصرف لا آليّة ماليّة، مقترحين التوقف عن تضييع الوقت مع الأوروبيين والمبادرة باتجاه الدول الآسيويّة التي تواجه مخاطر التهديد بالعملة الأميركيّة، وتأسيس "عملة آسيويّة" مشتركة بينهم.
لا ترى الدول الأوروبيّة أن سقوط الإتفاق النووي سيكون مفيدا لهم، لا بل على العكس تماما يعتبرون أن هذا السقوط سيشكل ضربة اقتصاديّة كبرى لهم، خصوصا اننا نعيش اليوم زمن الحروب الاقتصاديّة لا العسكريّة، وهم يدركون أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة تدفع بهذا الاتجاه لضربهم اقتصاديا، ولكنهم بنفس الوقت لا يستطيعون السكوت عما يقولون أنه "التهديد الصاروخي الايراني"، الأمر الذي لم يعجب الإيرانيين وجعلهم يردّون على التصريحات الأوروبيّة بالمناورات العسكريّة الضخمة، وبالتأكيد على أن قدراتهم الصاروخية غير خاضعة لأيّ نقاش، ما يوحي وكأنّ تمسك النظام الإيراني بالعلاقات مع ​أوروبا​ لم يعد هو نفسه، خصوصا اذا ما تشابهت ​سياسة​ أوروبا مع سياسة أميركا.
بعد العقوبات الأميركيّة الاخيرة على طهران، حاول المسؤولون الايرانيون التحول باتجاه "​اليورو​"، ولكنهم اليوم أمام تحدّ جديد في علاقتهم مع أوروبا، فهل يُطلق الأوروبيون آلية التبادل المالي ​الجديدة​ لتكون بمثابة رسالة إيجابيّة لطهران، ام يؤجل العمل بها لتترسخ أكثر الرؤية الإيرانيّة المعارضة لها، والتي تترافق مع العقوبات الّتي فُرضت على إيران الأسبوع الماضي وطالت أربعة كيانات وطائرتين وشركة طيران "ماهان إير"؟.
قد يكون الاتفاق النووي هو العائق الاكبر أمام تدهور الأوضاع في المنطقة، وبالتالي فإن سقوطه سيحمل تطورات ضخمة ستطال الجميع ومن ضمنهم ​لبنان​.