لبنان​ في خطر ​الأمن​ الغذائي المضروب. ليست قضية ​البيئة​ الملوثة ملفاً محلياً يتناول تراشق الاتهامات الحكومية والحزبية فحسب ، بل هي قضية دولية تتعلق أوّلاً ب​حقوق الانسان​ الواجب احترامها وفق المواثيق الدولية، وكذلك قضيّة أمن مجتمع دولي نظرا للعولمة ال​اقتصاد​يّة القائمة بشكل اساسي على التبادل التجاري الدولي.
جميلٌ أن تُعقد قمّة تنموية اقتصادية واجتماعية عربية في ​بيروت​ تتناول ضمن بنود جدول أعمالها قضية الأمن الغذائي في الوطن العربي.
ولكن، هل ينتهج لبنان ​سياسة​ اقتصادية تضمن ​سلامة الغذاء​؟.
يدقّ جرس الانذار باب الثقة الدوليّة بالمنتجات اللبنانية مع ما يستتبع ذلك من نتائج سلبيّة على الدولة والمجتمع والإنسان.
بلد التفاح يرمي تفاحه في ارض ​اعتصامات​ ​المزارعين​ بعدما رفضت دول أوروبيّة عدة وغيرها استيراده لعدم مطابقته للمواصفات المفروضة قانونا.
عدا عن المزاحمة غير الشرعية للبطاطا المهرّبة، ها ان تحقيقا جزائيا يُفتح بحق المرتكبين المسؤولين عن انتاج وتوزيع بطاطا سامّة في الاسواق اللبنانية.
مياه الصرف الصحي​ يتمّ استخدامها لريّ منتجات زراعية في بعض المناطق .
نهر الليطاني​ كارثة بيئيّة وانسانيّة وصحيّة يتّجه حالها نحو التدويل من شدّة أخطارها على البيئة والإنسان.
إنّ نسبة ​التلوث​ الخطير الذي يلحق بمياهه وبمياه روافده وكذلك بالتربة المحيطة وأيضاً بالهواء لا حلّ لها بالقريب.
ولكن، مياه الليطاني تُستخدم علناً للريّ الزراعي والمنتجات الزراعية تستهلك أيضا في الصناعات.
النفايات التي فرشت الطرقات والوديان والأراضي سواء من فترة الحرب اللبنانيّة أو أيامنا هذه امتدّت ملوّثاتها للمياه الجوفية .
المبيدات الزراعيّة وكذلك مياه البحر والأنهر تفرض دراسات جدّية حديثة حول وضعها الصحي وآثارها.
حالات​ أمراض ​السرطان​ إلى تزايد، وكذلك ظواهر الالتهابات البكتيريّة التي تملأ ​المستشفيات​. هل كلها بسبب سوء التغذية و​التلوث البيئي​؟ لا شكّ انها مُسبّبات رئيسية .
حتى الساعة، كل المؤشرات تدلّ أن الأمن الغذائي مضروب. البلد الذي شهد حروبا وصراعات ونزاعات سياسيّة وطائفيّة ينوء اليوم تحت وابل نتائج التخريب والاهمال وسوء الادارة و​الفساد​. المواطن يدفع الثمن.
تمّت الإضاءة في العام المنصرم أنّ منظمة ​الإسكوا​ أدرجت لبنان في فئة المتوسط ضمن لائحة الدول التي تشهد حالات تقزُّم عند الأطفال دون الخامسة من العمر بسبب سوء التغذية، لجهة النقص في الطعام أو نوعيته أو جودته.
هل أخذت ​الحكومة​ اللبنانيّة هذه الجداول العالميّة على محمل الجدّية والمسؤوليّة؟
يبدو أن لبنان يحتاج فعلا إلى إعادة إعمار في شتّى مفاصل الدولة والمجتمع.
ولأنّ حالة الأمن الغذائي الوطني متفاقمة الخطورة فلا بدّ من وضع سياسة غذائية مشتركة بين مختلف الإدارات والوزارات المعنيّة من صحة وزراعة وبيئة وسياحة واقتصاد وطاقة لإيجاد الحلول. وهذا للأسف يفتقد له لبنان في ظل غياب وزارة تخطيط من ضمن مهامها التنسيق بين مختلف الوزارات للنهوض بالإستراتيجيات الفاعلة.
في ظل غياب ما ذُكر، يقوم المعنيون اليوم بانتهاج سياسة العقاب عبر الاحتكام الى السلطة القضائيّة لرفع التعدّيات والارتكابات الجرميّة بحق البيئة والأمن الغذائي.
أن تقف الدولة عند هذا الحدّ من الحلول فهو غير مجدٍ. اولا لجهة ردع الجريمة التي لن يثني ارتكابها توقيف احدهم هنا او هناك، وثانيا لجهة الوقاية والترميم والإصلاح والتطوير، ما يفرض تشريعات حديثة وخطط تنموية بالتوازي مع فروع اجهزة امنيّة متخصصة وملمّة بمختلف انواع وسائل الجرائم البيئيّة والغذائيّة والصحيّة.
في ظل تطور ​العلوم​ والابحاث وتعدد انواع الجرائم القديمة والحديثة وتطوّر وسائلها واختلاف فئات مرتكبيها، نحن أمام واقع قد يفرض إنشاء ادارات ووزارات تكنوقراط ومحاكم متخصّصة في علوم متنوعة .
يطول الحديث في التأثيرات الصحيّة الجسديّة لواقع أمن غذائي ضربه الفساد، هل من يفتح كارثة التأثيرات الصحيّة النفسيّة على الفرد والمجتمع في ظل اقتصاد مهترئ وواقع حياة لم يعد يصلح للبشر؟.