مع بروز موجة تفاؤل جديدة بإمكان ولادة ​الحكومة​ خلال الساعات المقبلة، عادت علامات الاستفهام لتُطرَح عمّا إذا الأمر "يستحقّ" انتظار ثمانية أشهر من المفاوضات العبثية التي اتسمت بالمماطلة والشروط المتبادلة، وعن "الخسائر" التي مُني بها البلد، ومعه العهد، على امتداد هذه الفترة الزمنية.
لا شكّ أنّ مثل هذه المقاربة تبدو واقعيّة، في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدق بالوطن، والتي تفاقمت على مدى الأشهر الماضية "الضائعة"، وإن كان كثيرون يعتبرون أنّ ولادة الحكومة لن تغيّر الكثير من هذا الواقع، إلا أنّ ثمّة من يتحدّث عن خسائر "شخصيّة" مُني بها رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​، قد تتخطى كلّ ما سبق.
ولعلّ خير دليلٍ على ذلك، أنّ الحريري الذي اعتُبِر عند تكليفه رئيس الحكومة "القوي"، من وحي "العهد القوي"، بات يفتقد اليوم هذه الميزة برأي كثيرين، ليس لأنه قبل بتوزير "خصومه" ولو من حصص غيره فحسب، بل لاعتباراتٍ وحساباتٍ كثيرة، قد يختصرها اضطراره على امتداد مرحلة التأليف، إلى الدخول في "بازار المساومات" إلى أبعد حدّ...

ولّى زمن "الاحتكار"...


بالنسبة لكثيرين، خصوصاً من مناصري رئيس الحكومة المكلف، فإنّ الحريري حقّق "انتصاراً مزدوجاً"، بعدم القبول بتوزير خصومه من سُنّة "​8 آذار​" أو ما يُعرَف بـ"اللقاء التشاوري" من حصّته، كما كانوا يرغبون، وبفرضه "فيتو" على توزير واحدٍ من نواب "اللقاء" الستّة، كما كانوا يشترطون، لتفضي التسوية إلى توزير "ممثل" عنهم، ولو كان شديد الارتباط والصلة بهم، بخلاف حال مرشح "التسوية" السابق جواد عدرا، الذي أسقطته التجاذبات السياسية بالضربة القاضية.
قد يكون ذلك صحيحاً، وإن كان البعض يحاول القول إنّ الحريري لا يستطيع الحديث عن "إنجاز"، طالما أنّ حكومته باتت تضمّ ممثّلاً مباشراً لسُنّة "8 آذار"، بمعزلٍ عن هويّته، وآليّات اختياره. لا يشبه الأمر ما كان سائداً في "حكومات الوحدة الوطنية" السابقة، حين كان رئيس الحكومة المكلّف يوافق على الجلوس على طاولة واحدة مع خصومه، وفي مقدّمهم "​حزب الله​"، بعيداً عن الشعار الذي رفعه مرّة من دون أن يطبّقه، لجهة رفض الجلوس مع "قتلة" والده رئيس الحكومة الأسبق ​رفيق الحريري​، في عزّ الاتهام الدوليّ الموجّه للحزب بالوقوف خلف الجريمة.
هي المرّة الأولى التي يضطر فيها الحريري إلى أن يجالس خصوماً له على الساحة السنية، في حكومة واحدة هو من يرأسها. ليس الأمر سهلاً على الرجل، وإن ربطه البعض بنتائج ​الانتخابات​ الأخيرة التي أفرزت حضوراً نيابياً لهؤلاء، بفضل القانون "النسبي" الذي وافق عليه الحريري، على رغم أنّه كان يدرك في قرارة نفسه أنّ هدف "حزب الله" الأساسيّ منه، كان إيصال هؤلاء تحديداً إلى الندوة البرلمانية، وبالتالي إنهاء "احتكار" الحريرية السياسية للمشهد السنّي منذ سنوات طويلة.
ولعلّ ما يزيد صعوبة المشهد أنّ الحصة السنية في الحكومة، التي اعتاد الحريري أن تكون "صافية" لتياره "الأزرق"، تتضمّن أيضاً ممثلاً لخصمٍ آخر، هو رئيس الحكومة الأسبق ​نجيب ميقاتي​، وإن ربطه به تفاهم آنيّ لا أحد يضمن صموده، علماً أنّ للأخير "رمزية استثنائية" لا يمكن التغاضي عنها، تكمن في كونه الرجل الذي وافق في مرحلة من المراحل على "الانقضاض" على الحريري، بترؤسه ما سُمّيت بـ"حكومة حزب الله" التي نجمت عمّا يصفه "المستقبليون"، بـ"الانقلاب".

الحريري "الوسطي"؟!


هكذا، تكفي تركيبة الحكومة "الحريرية" الثلاثينيّة للقول إنّ الحريري بات اليوم "أضعف" من أيّ وقتٍ مضى، على الساحة السنّية قبل غيرها من الساحات، وإن سمع "الثناء" من هنا وهناك، بأنّه لا يزال "الأقوى" من حيث الجماهيرية الشعبية، وهو ما لا يمكن لأحد أن ينكره عليه. ووفق ​القاعدة​ نفسها، بات الحريري يشهد "إشادة" بأدائه من خصومه، الذين أبدوا طيلة الأشهر الثمانية السابقة تمسّكاً به أكثر من حلفائه حتى، الأمر الذي توّجه الأمين العام لـ"حزب الله" ​السيد حسن نصر الله​ شخصياً، بحديثه عن "جهود جدّية" يبذلها في سبيل تأليف الحكومة، وتنويهه بقدرته على "تدوير الزوايا" في هذا الإطار.
ولكن، هل مثل هذا الثناء هو فعلاً نقطة "قوة" للحريري، يمكن أن تُضاف إلى رصيده عشية ​تشكيل الحكومة​ ​الجديدة​، إن لم يطرأ طارئ يعرقلها في اللحظة الأخيرة مثلما درجت العادة؟
يرى كثيرون العكس صحيحاً، بدليل أنّ "القوة"، وفق معايير ​السياسة​ اللبنانية، لا يختزلها "تدوير الزوايا" الذي جعل الحريري، يرث من حيث يدري أو لا يدري، إرث "الوسطية" التي كانت حكراً على رؤساء الجمهورية المتعاقبين، قبل "العهد" الحاليّ. يتحدّث هؤلاء عن "ارتباكٍ" واضح يُظهره الحريري في الآونة الأخيرة، بحيث لم يعد يسيراً تمييز "حلفائه" عن "خصومه"، فهو عندما يجتمع مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​، أو رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" ​وليد جنبلاط​، يحنّ إلى تحالف "​14 آذار​" السابق، وحين يلتقي ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ ووزير الخارجية في حكومة ​تصريف الأعمال​ ​جبران باسيل​ يشعر بأنه بات "أقرب" إليهما، ويذهب لحدّ تبنّي خطابهما، وصولا لاعتباره أنّ علاقته بهما "تجنّن" البعض، ويقوم في الوقت نفسه بنسج "صداقات" مع معظم الأطراف، كرئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​، ورئيس تيار "المردة" ​سليمان فرنجية​ وغيرهما.
ولعلّ الإشكالية الحقيقيّة التي تنطوي خلفها هذه "الوسطيّة" غير المُعلَنة للحريري، أنّها باتت تأكل من رصيده، وتأتي على حساب موقعه، من خلال أعراف جديدة لم تكن مسبوقة في تأليف الحكومات السابقة، إذ لا يشكّ اثنان بأنّ ما شهدته عملية تأليف الحكومة هذه المرّة يُعَدّ سابقة، فإذا كان يُسجَّل لرئيس الجمهورية أنّه نجح في استعادة البعض من "هيبة" ​رئاسة الجمهورية​، وفرض نفسه "شريكاً دستورياً" في عمليّة التأليف، فإنّ الحريري بدا كمّن "يستسهل" رمي الكرة في ملعب الأخير، منتظراً من وزير الخارجية، الذي وصفه كثيرون بالوزير "المؤلّف"، تأليف الحكومة عوضاً عنه، وهو ما برز خصوصاً بعد ظهور "العقدة السنّية"، حين اعتكف الحريري، وانتظر الحلّ من الآخرين.

من الضعف إلى القوة...


فيما كانت العديد من القوى السياسية تحارب في العلن حصول فريق رئيس الجمهورية على "الثلث" في الحكومة، جلس رئيس الحكومة المكلّف متفرّجاً، من دون أن يقدّم رأياً ثابتاً. تارةً، يُنسَب إليه أنّه لا يعارض حصول "العهد" على الثلث، وطوراً أنّه يراهن على "حزب الله" أو غيره لمنعه، على رغم اعتبار كثيرين أنّه موجَّهٌ ضدّه كونه سيصبح "رهينة" هذا الفريق ورغباته، وهو الذي لا تزال تجربته "المريرة" مع الثلث "المعطّل" ماثلة في الأذهان.
تكفي هذه المسألة لإظهار الحريري وكأنّ "لا حول ولا قوّة" له، ليثبّت مقولة أنّ الحريري الذي تعرّض في الانتخابات النيابيّة الأخيرة لبعض الخسائر، بات "أكثر ضعفاً" بعد ثمانية أشهر من تكليفه تأليف الحكومة. ولكن يبقى على الحريري أن يدرك، أنّه وحده القادر على تحويل هذا "الضعف" إلى "قوّة"، وهو الذي يمتلك في رصيده الكثير الذي يخوّله إجراء "نفضة" حقيقية، قد يكون أوانها حان، خصوصاً إن شُكّلت الحكومة هذا الأسبوع...