لم يسلم الكثيرون من رغبات الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ في اخضاع جميع من حوله الى آرائه وافكاره، اكانت صائبة ام خاطئة. في طريقه الى اكمال ولايته، وقع ضحايا كثيرون من اقرب المقربين اليه، فأنهى بنفسه مستقبلهم السياسي عبر اقصائهم عن مناصبهم التي كان خصصها لهم من اجل مساعدته على ادارة البلاد، فوجدوا انفسهم بين ليلة وضحاها اما خارج المعادلة السياسية، او خارج ​الحياة​ السياسية بكاملها ليتابعوا اعمالهم اليومية بشكل اعتيادي في الشأن الخاص.

ومن تابع ​الاخبار​ الاميركية منذ ايام قليلة، اصيب بدهشة وصدمة جرّاء ما وصل من انباء عن تناقض فاضح بين ترامب من جهة، والمسؤولين عن اجهزة الامن والاستخبارات من جهة ثانية. اما مواضيع التناقض الفادح، فتتعلق بدول ومسائل بالغة الدقة واساسية وهي: ​ايران​ و​كوريا الشمالية​ و"داعش". وامام لجنة من اعضاء ​الكونغرس​، ادلى هؤلاء المسؤولون بأقوال اظهرت انه، وفق معلوماتهم الاستخباراتية، فإن ايران لا تزال حتى الساعة تلتزم بعدم السعي لامتلاك ​قنبلة​ نووية، فيما لم يتغيّر وضع كوريا الشمالية رغم "الصداقة" التي باتت تجمع ترامب بالزعيم كيم يونغ اون، ولا تزال "داعش" مصدر خطر رغم ان الرئيس الاميركي كان قرّر سحب الجنود الاميركيين من ​سوريا​ لأنّ خطر هذه المنظمة الارهابيّة قد زال.
ولانه صُدم بشهادات المسؤولين المذكورين، لجأ ترامب الى طريقته المعهودة وهي التشهير بهم من خلال الاستخفاف بأقوالهم وعملهم، ودعوتهم الى "العودة الى المدرسة". ولكن في الواقع، لا يمكن الاستهانة بما قيل من قبل هذه الاجهزة، وامام لجنة من الكونغرس، اي ان المعلومات يجب ان تكون دقيقة ورسمية ولا تحمل الشك، والاميركيين سيجدون صعوبة في تصديق ترامب في هذا المجال، وتفضيل كلامه غير المستند الى أيّ وقائع على كلام يرتكز الى مصادر استخباراتيّة وعسكريّة وامنيّة تتطلب جهوداً وتُصرف من أجلها ملايين الدولارات، لا بل المليارات، وتكون السبب المباشر لاتّخاذ قرارات على مستوى الدولة تؤثّر على ​اميركا​ و​العالم​ اجمع كمثل خوض الحروب، او فرض عقوبات، او القيام بعمليات عسكريّة محدودة... اضافة الى ذلك، لن يستوعب الاميركيون "انقلاب" ترامب على من اختارهم بنفسه للقيام بهذه المهمات الحسّاسة، فمن المفترض ان يكونوا من صفّه وبالتالي لا اهداف سياسية لهم لتقويض جهوده او مخططاته السياسية، او تهشيم صورته امام الرأي العالم لاهداف انتخابية او غيرها. ولا يمكن اغفال نقطة بالغة الاهمية ايضاً، وهي ان هؤلاء، على عكس الرئيس الاميركي، هم موظفون، وبالتالي يمكن محاسبتهم بتهمة الكذب او اخفاء معلومات او تحويرها، خصوصاً عند الادلاء بشهادتهم امام لجنة الكونغرس، فتكون العواقب وخيمة بالنسبة اليهم، وعليهم بالتالي التأكّد مما يقولون قبل التفوّه به، وبالاخص حين يتعلق الامر بمسألة حسّاسة.
قد يرغب البعض في التخفيف من اهميّة هذا التناقض، عبر التذكير بما ادلى به وزير الخارجية الاميركي السابق كولين باول من معلومات استخباراتيّة خاطئة أدّت الى غزو ​العراق​، ولكن الوضع غير مشابه بتاتاً. فباول كان وزيراً، وكان هناك قرار اميركي سياسي معروف بغزو العراق حتى دون موافقة ​الامم المتحدة​، وبالتالي كان الغطاء متوافراً للمسؤولين الامنيين من اجل "غض النظر" عما سيقال. اما في الوضع الراهن، فليس هناك من غطاء سياسي لأن الادارة الاميركيّة منقسمة على نفسها، كما ان المسؤولين المعنيين ادلوا بشهادة بشكل مباشر، وعليه يصبح من الصعب لهم ان "يفلتوا" من المحاسبة اذا ما كانت شهادتهم كاذبة.
وفي مطلق الاحوال، سيرتدّ الامر سلباً على ترامب الذي وجد نفسه في خضمّ ازمة جديدة، بعد ان عانى من أزمة حرجة جداً مع الديمقراطيين لم يخرج منها سالماً، وأدّت الى تعطيل اعمال ​الحكومة​ لاطول فترة في التاريخ الاميركي، ومن المؤكّد أنّ شعبيته لن تحافظ على المستوى الذي سجّلته خلال ​انتخابات​ نصف الولاية، فهل سيكون ترامب الضحيّة ام سيضيف ضحيّة اخرى الى لائحة ضحاياه؟.