بعيداً عن نظرية "لا غالب ولا مغلوب" السائدة في السياسة اللبنانيّة، اختار معظم الأفرقاء الممثلين في "حكومة العهد الأولى" إعلان "الانتصار" بعد تشكيل الحكومة، متحدّثين عن "أرباح صافية" حقّقوها، في نهاية مسيرة من الأخذ والردّ، استمرّت أكثر من ثمانية أشهر.

وعلى الرغم من أنّ "تسوياتٍ" بالجملة أدّت إلى إنهاء العُقَد التي واجهتها التشكيلة الحكوميّة منذ اليوم الأول، فإنّ كلّ "التنازلات" التي يفترض أن تكون قد قُدّمت، باعتبار أنّ أيّ "تسوية" لا تُبرَم من دونها، تبخّرت مع ريح إعلان الحكومة، لينصّب الجميع أنفسهم رابحين، بمُعزلٍ عن حجم الحقائب، وحتى نوعها.

ولكن، هل فعلاً يمكن القول إنّ "الكلّ رابح" في التشكيلة الحكوميّة المُعلَنة؟ هل حقّق جميع الفرقاء ما كانوا يصبون إليه فعلاً؟ ومن يكون "الخاسر" في هذه الحالة؟!.

ربح "صافٍ"...

الكلّ رابح. هو الشعور الذي ينتاب المرء للوهلة الأولى، بعد مراقبة تصريحات معظم الأفرقاء بعد تشكيل الحكومة، تصريحاتٌ أصرّوا فيها جميعاً على الحديث عن "انتصاراتهم"، ما يوحي بأنّ الحكومة لن تكون عملياً سوى حلبة ملاكمة أو ساحة مواجهة، لا مكان فيها للتجانس والتضامن وما يتفرّع عنهما.

عموماً، ومن هذا المنطلق، لا يمكن نكران وجود "مكاسب" بالجملة حقّقها الفرقاء في نهاية المطاف، وإن بقيت مكاسب "نظريّة" إلى حدٍ بعيد. رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر" حصلا مثلاً على "حصة الأسد" في الحكومة، كماً ونوعاً، رغماً عن الجميع. صحيح أنّ حصّتهما لم تحقّق مبتغى "الثلث المعطل" نظرياً، بفعل الاتفاق على أنّ مرجعية الوزير الحادي عشر تبقى خارج تكتل "لبنان القوي"، إلا أنّها عملياً تخطّته، وفق ما ألمح وزير الخارجية جبران باسيل، غامزاً من قناة "وزراء ملوك".

ولعلّ المكسب الأساسي الذي حقّقه فريق الرئيس وتكتل "لبنان القوي" يتمثّل في نوعية الحقائب التي حصل عليها، من الخارجية إلى الدفاع مروراً بالطاقة والعدل والاقتصاد والسياحة، وصولاً إلى البيئة التي خاض من أجلها "معركة" حسمها لصالحه في ربع الساعة الأخير. لكن، في باب النوعيّة أيضاً، يستطيع خصم "التيار"، تيار "المردة"، أن ينصّب نفسه "منتصراً"، بعد حفاظه على حقيبة الأشغال، التي كانت عين الوزير جبران باسيل عليها، بل تمسّكه بالوزير يوسف فنيانوس على رأسها، بعد التسريبات عن "فيتو" أراد البعض فرضه عليه.

"الربح الصافي" حقّقه أيضاً ثنائيّ "حزب الله" و"حركة أمل"، الذي يمكن القول إنّه نجح في فرض شروطه على إيقاع الحكومة ككلّ. أصرّ "حزب الله" على الحصول على حقيبة الصحّة مثلاً، على الرغم من كلّ الضغوط التي وصلت حدّ الترهيب، فكان له ما أراد بيسرٍ لا لبس فيه. أصرّ أيضاً، على تمثيل حلفائه في "اللقاء التشاوري" فكان له ما أراد، وإن بعد معارك ومماطلة. رفضت "أمل" مقايضة البيئة بحقيبة الإعلام، مطالبة بالثقافة أو الصناعة بديلاً، فكان لها ما أرادت.

لا خاسر؟!

لا يبدو الواقع مختلفاً بالنسبة إلى "تيار المستقبل" مثلاً، على رغم كلّ ما أحاط بعملية التأليف من "ضعف" حُمّل وزره إلى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري نفسه. في النهاية، يستطيع الحريري أن يقول إنّه حقّق أكثر من "مكسب" في التشكيلة النهائيّة، أولّها أنّ توزير "اللقاء التشاوري" لم يأتِ من حصّته وعلى حسابه، تماماً كما اشترط منذ اليوم الأول، وثانيها أنّه نجح في الحفاظ على "الثقل السنّي"، وحرص على "التنوّع". ولعلّ ما عزّز من سجلّ "المكاسب الحريريّة" في هذا المجال، أتى معنوياً، من خلال ما اعتُبِرت "مفاجأة" الحكومة، بتوزيره امرأة على سدّة حقيبة الداخلية للمرّة الأولى في تاريخ لبنان بل العالم العربيّ، علماً أنّ حصّته ضمّت سيّدتين لا واحدة، وهو ما يُحسَب له.

حتى "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"القوات اللبنانية" اللذان كانا أكثر من قدّما التنازلات، أعلنا نفسيهما "منتصرَيْن" في نهاية المطاف. الأول الذي لم يحصل سوى على وزيرين من أصل ثلاثة مقاعد كان يطالب بها باعتبارها من حقّه، بموجب "التسوية الدرزيّة" التي يعتبر كثيرون أنّها لم تكن "تسوية" بالمعنى الحرفيّ للكلمة، ربح بعدم انجراره وراء "بازار" الساعات الأخيرة، وتمسّك بحقيبة الصناعة، من دون أيّ تعديل. وإذا كانت "القوات" التي أتى الحلّ من "كيسها"، انجرّت إلى هذا "البازار" بشكلٍ أو بآخر، فإنّها تعتبر نفسها "منتصرة" أيضاً، ببساطة لأنّها ظهرت دون غيرها بمظهر الحريص على ولادة الحكومة، بعدما "ضحّت" في سبيل ذلك، تماماً كما قبلت سابقاً بالحصّة المعروضة عليها، على رغم وصفها بـ"الظالمة"، علماً أنّ تسريباتٍ كثيرة تؤكد أنّ "القوات" خُيّرت بين ما قُدّم لها أو الانتقال إلى المعارضة.

لا خاسر إذاً. هي الصورة التي حاول جميع الأفرقاء إيصالها في الساعات الماضية إلى الرأي العام، لكنّ أحداً لم يقل إنّ الرابح سيكون هو الشعب، وأنّ الحكومة ستنكبّ على معالجة شؤونه. أصلاً، مجرّد الحديث عن "انتصارات"، على رغم أنّ القاصي والداني يعلم أنّ كلّ فريق حقّق "خسائر" بالجملة في مقابل "المكاسب"، وتكفي مقارنة بسيطة بين ما كان يطالب به وما وصل إليه لتأكيد ذلك، تُظهِر أنّ الشعب ليس في سلّم الأولويات، بل سيكون "الخاسر الأكبر". باختصار، ما حصل من "معارك" على صعيد تأليف الحكومة لم يكن سوى "بروفا" لما سيحصل داخل مجلس الوزراء من "معارك" سيخوضها الجميع، تارةً لتحقيق "البطولات الوهميّة"، وطوراً لمنع الآخرين من "الإنجاز"، وهنا بيت القصيد.

حكومة "جبهات"!

لولا اعتذار رئيس الحكومة المكلّف من اللبنانيين على التأخير في تشكيل الحكومة، لظنّ اللبنانيون أنّ ما حصل هو إنجاز غير مسبوق يستوجب الاحتفال، بل إنّ البعض احتفل فعلاً، وأطلق المفرقعات الناريّة احتفاءً بالانتصار النوعيّ، ألا وهو تشكيل حكومة.

لكن، وبمعزلٍ عن أنّ تشكيل الحكومة لا يفترض أن يستغرق أكثر من بضعة أيام، لا ثمانية أشهر ونيّف، وبمعزلٍ عن حسابات الربح والخسارة لكلّ فريق على حدة، بما يحقّق أجندته السياسية لا أكثر، هل هذه الحكومة هي فعلاً ما يتطلّع إليه اللبنانيون؟ ومن يتصوّر أنّ حكومة "جبهات" كتلك التي شُكّلت، ستنجح في مواجهة الاستحقاقات الداهمة، على كثرتها وأهميتها؟

قد يكون من المبكر الحكم على الحكومة، باعتبار أنّ "المتهم يبقى بريئاً حتى الإدانة"، لكن ولأنّ "المكتوب يُقرأ من عنوانه"، فإنّ المعادلة تصبح عكسية هنا، لتكون الحكومة "مُدانة" سلفاً، وعليها انتزاع "براءتها" بأدائها، من دون أن تحوزعلى أيّ مهلة سماح، كانتاستنفدتها أصلاً قبل أن تبصر النور...