ما ان صدرت مراسيم تأليف الحكومة حتى بدأت ترتفع أصوات وتتحرك «جيوش إلكترونية» لتُنغِّص هذا الانجاز الدستوري الذي تحتاج البلاد إليه لوقف التداعي الذي يهددها اقتصادياً ومالياً ومعيشياً، فضلاً عن مواجهة التهديدات الخارجية، وذلك بغض النظر عما إذا كانت هذه الحكومة ستتمكن من النجاح في مهماتها أم لا.
تنوّعت الهجمات التي تعرضت لها الحكومة، بعضها مباشر، والبعض الآخر يستبطن محاولات لإثارة فتن طائفية وبين أبناء الصف الواحد، وكذلك بين بعض القوى السياسية المتحالفة في ما بينها، وإعادة نبش أحداث سابقة ونكء جروح بين قوى أخرى لعلها تثير فتنة. وراحت «جيوش إلكترونية» توزّع فيديوهات قصيرة لأشخاص يهاجمون رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ ويتهمونه بـ»النكوث» بعهوده وبـ»التخلي» عن طائفته وجمهوره والمؤيّدين، كذلك وزّعت «فيديو» قصيراً يستعيد بعض الوقائع من الاقتتال الدامي الذي حصل مطلع التسعينات في الجنوب بين حركة «أمل» و»حزب الله».

وإذ تبيّن انّ مناصرين لبعض القوى السياسية الداخلية يقفون خلف تسريب هذه «الفيديوهات» لغايات النيل من قوى أخرى والتعمية عن خيبة او خسران حاقَ بها في تأليف الحكومة، فإنّ كل القوى السياسية تجمع على انّ إنجاز الاستحقاق الحكومي أطلق مرحلة سياسية جديدة بكل المعايير ستتبعها مرحلة جديدة أيضاً على المستويات المالية والاقتصادية لكي لا يسقط الهيكل على رؤوس الجميع.

ويقول بعض المعنيين بالشأن الحكومي انّ الاسرائيلي يتحدث دوماً وعلناً عن أنه يعمل على إحداث الفتنة والانقسام الداخلي في لبنان، ربطاً بالخلاف القائم بين بعض القوى السياسية على عدد من الملفات الداخلية، وعندما نفذ ما سمّاه عملية «درع الشمال» في شأن الانفاق على الحدود متّهماً «حزب الله» بإحداثها، إنما اراد افتعال اشتباك داخلي بين «الحزب» وخصومه من القوى السياسية الذين يعتبرون انّ مثل هذه الانفاق تَستجلب حرباً ​إسرائيل​ية تدميرية ضد لبنان.

امّا «الفيديوهات» المُسرّبة عبر بعض ​وسائل التواصل الاجتماعي​ او ما يسمّى «العالم الافتراضي»، يضيف هؤلاء المعنيون، فإنّ بعضها سرّبته جيوش إلكترونية تابعة لجهات ما في مكان ما بغية إظهار انّ قوى سياسية معينة انتصرت في تأليف الحكومة على «الحزب التقدمي الاشتراكي» وعلى «القوات اللبنانية»، وذلك بغية تغطية فشلها في عدم تحقيق كل ما طمحت إليه من حصة وزارية مرموقة تجعل الكفة الحكومية «طابشة» لمصلحتها في مواجهة الآخرين.

امّا الجيوش التي وزّعت الفيديو عن حركة «أمل» و»حزب الله» فربطها هؤلاء المعنيّون بمخطط إسرائيل الدائم والعامل على إحداث الفتنة في لبنان، أو على الاقل بين «الثنائي الشيعي» لاعتقادها انّ مثل هذه الفتنة من شأنها أن تشكّل إضعافاً لـ»حزب الله» وتشتيتاً لقواه في ساحته الداخلية، الأمر الذي يعطّل او يعوق عمله المقاوم ضدها ويبدّد قدراته العسكرية التي تشكّل قلقاً كبيراً وتعتبرها خطراً يهدد أمنها مرحلياً واستراتيجياً.

إلّا أنّ هؤلاء المعنيين بالشأن الحكومي يفصلون بين هذا «الفيديو» واهداف العاملين عن تسريبه، وبين الفيديوهات الأخرى التي تستهدف رئيس الحكومة بغية إضعافه في بيئته، وكذلك يفصلون بينه وبين الحملة الجنبلاطية على بعض المرجعيات الرسمية الكبرى. فهذه الحملة لا يمكن إدراجها في اطار مخطط خطير يستهدف اثارة الفتنة والانقسام الداخلي، فهناك خلاف نَشأ بين جنبلاط وبين ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​، وكذلك بينه وبين رئيس «التيار الوطني الحر» ​جبران باسيل​، وأيضاً بينه وبين الحريري، فيما رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ لا يخفي زعله منه. وفي ضوء هذه الحال يشعر جنبلاط أنه «محاصر» سياسياً، بل يشعر أنّ «الحزب التقدمي الاشتراكي» ومعه «القوات اللبنانية» خرجا خاسرين في التشكيلة الوزارية ​الجديدة​ من حيث عدد الوزراء ونوعية الوزارات التي حصلا عليها، مع العلم انه كان يعرف مسبقاً انّ الوزير الدرزي الثالث ​صالح الغريب​ سيعيّن وزيراً، وفوجىء بتعيينه وزيراً لشؤون النازحين، علماً أنّ «اتفاقاً مسبقاً» كان حصل معه على تسمية الغريب، قبل تأليف الحكومة. امّا «القوات اللبنانية» التي تبيّن انها لا تجاري جنبلاط في موقفه الراهن، فقد قبلت بعرض الحريري عليها تَولّي وزارة الدولة لشؤون التنمية الادارية والتنازل عن ​وزارة الثقافة​، وذلك بعدما تلمّسَت وجود اتفاق خارجي على تأليف الحكومة الذي تأخّر نحو 9 أشهر، علماً أنّ الحريري كان قد جمّد تأليف الحكومة 6 أشهر الى حين معالجة عقدتي التمثيل الجنبلاطي و»القواتي» فيها، قبل ان ينتقل البحث في الاسابيع الأخيرة الى معالجة عقدة تمثيل «اللقاء التشاوري» للنواب السُنّة الستة.

ولذلك، يقول المعنيون بالشأن الحكومي انّ فترة السماح المعطاة للحكومة الجديدة حتى تنجز ما ستعد به في بيانها ـ برنامجها الوزاري، لن يؤثر عليها القصف السياسي الجنبلاطي في حال استمراره، لأنّ جنبلاط قد لا يستطيع إيجاد شريك له في هذا القصف. لكنّ الرجل الذي يشعر بضغوط كثيرة تمارس عليه في هذه المرحلة، بدأ يعمل على تحصين ساحته الداخلية بشقّيها السياسي والدرزي، وكان ترؤسه قبل يومين اجتماعاً استثنائياً لـ»اللقاء الديموقراطي» وتلاوته بعده بياناً مكتوباً للمرة الاولى منذ تأسيس هذا اللقاء يتحدث فيه عن «اتفاق الطائف» وغيره، هو أوّل خطواته «التحصينية» في هذا المضمار.