وُعود وزراء الحُكومة الجديدة، والتيّارات والأحزاب التي يُمثّلونها، كثيرة وعالية السقف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مُعالجة ملفّ الكهرباء المُتعثّر منذ عُقود. فهل يُمكن أن نشهد في المُستقبل القريب تأمينًا للتيّار الكهربائي على مدار الساعة ومن دون أي إنقطاع.

بداية لا بُد من إستعراض مجموعة من أبرز المشاكل التي تواجه لبنان على مُستوى ملفّ الكهرباء، وسُبل مُعالجتها:

أوّلاً: عجز واضح بين قُدرة المصانع الحاليّة لإنتاج الطاقة (مع إحتساب بواخر توليد الطاقة المُستأجرة)، ومُعدّل الإستهلاك العام، ما يستوجب رفع القُدرات الإنتاجيّة للطاقة بمقدار نحو 1700 "ميغاوات" إضافيّة عبر بناء مصانع جديدة وتطوير وصيانة القديمة منها، بالتزامن مع مُعالجة مُشكلة هدر الطاقة عند نقلها أيضًا، مع الإشارة إلى أنّ الطلب على الطاقة الكهربائيّة في لبنان يتصاعد بنسبة 3 % سنويًا.

ثانيًا: يخسر لبنان ما لا يقلّ عن 13 % من الطاقة الكهربائيّة بعد إنتاجها، بسبب قدم وإهتراء خُطوط النقل وشبكات التوزيع، ما يستوجب تجديد هذه الخطوط والشبكات بالتزامن مع بناء مصانع توليد طاقة جديدة، وذلك لمُعالجة ما يُعرف بإسم "الهدر الفنّي".

ثالثًا: يتمّ توزيع جزء كبير من الطاقة الإنتاجيّة على مُخيّمات النازحين السوريّين واللاجئين الفلسطينيّين، الأمر الذي يزيد حجم الهدر في الملفّ الكهربائي، ما يستوجب مُعالجة هذه الثغرة عبر تأمين جهات عربيّة ودَوليّة جاهزة لتسديد فواتير الإستهلاك التي لا علاقة للشعب اللبناني بها.

رابعًا: لا تزال التعدّيات على شبكة الكهرباء، والتهرّب من تركيب العدّادات، وسرقة الطاقة من الخُطوط، موجودة في أكثر من مكان في لبنان، إلى جانب تهرّب بعض النافذين من دفع فواتيرهم، ما يستوجب التشدّد في تطبيق القانون وفي تغريم المُخالفين، بشكل حازم وبدون أي إستثناءات.

خامسًا: إنّ عدد جُباة فواتير الكهرباء وقلّة انتاجيّتهم، والإضرابات المُتكرّرة التي أعلنها هؤلاء خلال السنوات الماضية، تسبّب في تأخير كبير على مُستوى تحصيل فواتير الكهرباء المُستحقّة لصالح شركة كهرباء لبنان، حيث يبلغ التأخير نحو سنة كاملة بمعدّل عام، علمًا أنّه يتمّ حاليًا في بعض البلدات والمناطق تحصيل فواتير الأشهر الأولى من العام 2017! وهذا الأمر الذي يعني وُجود تأخير يتراوح بين السنة والسنتين في عمليّات التحصيل، وبالتالي وُجود الكثير من الديون المُستحقّة لكل منزل لُبناني لصالح شركة الكهرباء، بقيمة لا تقلّ عن نصف مليون ليرة ويُمكن بسُهولة أن تصل إلى مليون ونصف مليون ليرة عن كل منزل عادي، ما يستوجب مُعالجة هذه الثغرة بالسُرعة اللازمة لما يُمكن أن تعود به من أموال نقديّة سريعة لصالح شركة الكهرباء.

سادسًا: إنّ تعرفة الكهرباء المُعتمدة في لبنان مُنخفضة جدًا، وتتسبّب سنويًا بعجز كبير للشركة تعمل الدولة على تسديد جزء كبير منه، الأمر الذي يُساهم في زيادة الدين العام للبنان بشكل تصاعدي. وهنا لا بُد من التذكير أنّه بتاريخ 19 تمّوز 1994، وبقرار من مجلس إدارة مؤسّسة كهرباء لبنان تحت الرقم 343، جرى تحديد سعر الكيلو وات/ساعة بمئة وأربعين ليرة لبنانية يوم كان سعر برميل النفط الخام يبلغ نحو 15 دولارًا. ومنذ ذلك الحين، وعلى الرغم من التضخّم الطبيعي ومن إرتفاع تكاليف مُختلف الخدمات وخُصوصًا من إرتفاع أسعار برميل النفط الخام إلى أرقام قياسيّة تجاوزت المئة دولار للبرميل الواحد في بعض الفترات، قبل أن تعود وتنخفض تدريجًا لتتراوح في المرحلة الأخيرة ما بين 50 و70 دولارًا للبرميل الواحد، ما يستوجب تعديل تعرفة إستهلاك الكهرباء بما يتناسب مع أسعار السُوق لوقف هذا العجز المُتمادي.

ومن هذه النقطة الأخيرة بالتحديد، نُشير إلى أنّ زيادة تعرفة فواتير الكهرباء يُشكّل شرًّا لا بُدّ منه، يجب أن يواكب أي عمليّة إصلاح شاملة للملفّ الكهربائي. فإذا كانت مسائل بناء مصانع إنتاج جديدة وتنويع مصادر الطاقة (فيول، غاز، شمس، ماء، إلخ)، وصيانة مصانع توليد الطاقة الموجودة، وتجديد وتطوير شبكات وخطوط النقل ومحطّات التحويل، وكذلك وقف الهدر ومنع التعديّات والسرقات، وتسريع وتيرة تحصيل الفواتير، هي كلّها إجراءات أكثر من ضروريّة ومُلحّة، فإنّها لن تحلّ المُشكلة ما لم تترافق مع القرار غير الشعبي القاضي برفع تعرفة الكهرباء.

لكن هذا القرار لا يُمكن اللُجوء إليه في ظلّ الإهتراء الحالي على مُختلف الصُعد بالنسبة إلى ملفّ الكهرباء، لأنّه من دون كسب ثقة المواطن بأنّ العمل على إصلاح قطاع الكهرباء قائم بجدّية وبشفافيّة، لن يكون تمرير أي زيادة في التعرفة سهلاً.