لن يحقق مؤتمر وارسو هدفه الذي إنعقد من أجله: محاصرة إيران. يبدو الإرباك في عدم فهم الدول المدعوة اليه، حقيقة ابعاد المؤتمر. ما زاد ارباك المنظّمين إقدام دول اوروبيّة على تخفيض مستوى تمثيلها، واعلان التزامها المسبق بتطبيق الاتفاق النووي مع الجمهورية الاسلاميّة. قد يكون الموقف الاوروبي دفع واشنطن الى تعديل جدول أعمال المؤتمر بتوسيعه، للخروج بخلاصة أوسع، فجاءت مقاربة القضية الفلسطينية من باب "السلام في الشرق الاوسط". وهكذا يصبح النقاش في وارسو يقوم على أساس مصلحة إسرائيل: ترويج ان طهران هي من تخرّب مشروع السلام الذي تراه الولايات المتحدة الأميركية في "صفقة القرن". وهنا يتم الخلط بين الأزمات العربية والقضية الفلسطينية، وكأن المسؤول واحد، وهو ايران. هذا ما يراه الفلسطينيون تصفية لقضيتهم، بتعديل بورصة الصراع. وكأن الهدف الأميركي-الإسرائيلي هو إقناع الرأي العام الدولي والعربي والإقليمي بأن عدوّهم المشترك هي إيران.

نجحت تل أبيب في الشكل، بحضور مؤتمر الى جانب دول عربيّة تدفعها اسرائيل الى زيادة ابتعادها عن إيران. ومن هنا كان سعي رئيس الحكومة الاسرائيليّة بنيامين نتانياهو لعقد لقاءات مع الوفود العربيّة، مرتكزاً على زيارته سلطنة عُمان، التي فتحت له الباب للاعلان عن خطوات تنسيقية مع عواصم عربية.

واذا كان عدم اكتراث الاوروبيين بالسعي الأميركي-الاسرائيلي-الخليجي لمحاصرة الايرانيين، بتمسك العواصم الاوروبيّة الأساسية بنظام "انستاكس" للتبادل التجاري مع طهران، يؤكد فشل الهدف الأميركي تجاه الجمهوريّة الإسلامية، فإن اسرائيل ستنجح في الإيحاء ان العرب اصطفّوا جنب تل أبيب في اتجاهين: انهاء القضية الفلسطينية، ومحاربة ايران.

سيكون أول المستفيدين هو نتانياهو شخصيا، الذي يستعد لخوض الانتخابات الاسرائيلية بعد أسابيع، يسعى خلالها الى توظيف انجازاته الدولية في العنوانين المذكورين.

ولذلك، وصف نتانياهو المؤتمر بأنه "محاصرة ايران وشلّ دورها في سوريا والمنطقة ككل"، رغم ان تسمية المؤتمر هي: "الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط". فخلط رئيس الحكومة الاسرائيلية كل الأزمات الإقليميّة ببعضها، لتسويق نتيجة افتراضيّة يحمّل فيها الجمهورية الاسلاميّة مسؤولية الأزمات.

تعرف طهران أنّ عدد المشاركين في مؤتمر وارسو، ونوعيّة المصطلحات التي يستعملها اعداؤها في التهجّم على دورها، لن يحمل جديدا، لأن الدولة التي تحاصر طهران وتفرض العقوبات عليها، لن تزيد او تنقص بعد مؤتمر وارسو. وكذلك، لن تستطيع تلك الدول تاليف جبهة عسكريّة فعّالة موحّدة ضد الايرانيين، لاسباب عدة:

1-الخشية الخليجية من قدرات ايران الصاروخية.

2-عدم استعداد الاميركيين لأيّ مواجهات عسكريّة مباشرة مع الايرانيين، بسبب انشغال واشنطن بساحات اكثر أهميّة، وسعيها لترويض الصين، ومنع بكّين من الوصول الى القمّة الدوليّة بعد سنوات قليلة.

3-لا تشكّل ايران اولويّة للاميركيين، بينما يضغط الأوروبيّون لإبقاء الجمهوريّة الاسلامية مستقرة.

4-ترى واشنطن ان ابعاد العرب عن الإيرانيين، مقابل تقريب العرب من الاسرائيليين، يتحقق من دون اي مواجهة عسكرية مكلفة.

5-يمر الكل في ازمات ماليّة، لا تسمح لهم في زيادة ازماتهم المذكورة.

بالمحصّلة، تكسب إسرائيل في مؤتمر وارسو، ولا تتضرّر عمليّا ايران، مهما كان حجم اللقاءات الثنائيّة لمحاصرة طهران، وايّاً يكن مضمون البيان الختامي.