كما كان متوقّعاً، سيطر الملف الاقتصادي على خطاب رئيس الحكومة سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، انسجاماً مع الشعار الذي أطلقه على حكومته، "إلى العمل"، بعيداً عن الخلافات السياسية التي أقرّ بأنّها "لن تُشطَب بجرّة قلم".

وإذا كانت هذه الخلافات حضرت من باب "الثوابت"، كما كان متوقّعاً أيضاً، فإنّ اللافت كان حرص الحريري على "التوازن" في مواقفه، سواء بإعلانه مسبقاً أنّ "العدالة" التي ينتظرها هذا العام، لن تكون "أداة للفتنة"، أو بإصراره على أنّ "لبنان ليس دولة تابعة لأيّ محور".

وتوّج الحريري مواقفه بإعلان "مدّ يده للتعاون" مع كلّ القيادات والأحزاب، من دون استثناء، كما قال، ليبقى السؤال، كيف سيقابل الآخرون هذه "اليد الممدودة"؟ هل يتلقّفونها، فتتحوّل الحكومة فعلاً إلى "خلية عمل"، أم أنّها لن تتخطى سقف "الشعارات" على جري العادة؟!

موقفٌ واحد

في البداية، لا شكّ أنّ كلام رئيس الحكومة في شقّه الاقتصاديّ، يجمع أكثر ممّا يفرّق، بدليل ما أعلن عنه لجهة وجود اتفاق بينه وبين رئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري لتحويل مجلس الوزراء إلى "خلية عمل"، بل إنّ ثمّة من يعتقد أنّ مثل هذا الكلام لن يجد من يقف في وجهه بصورة جدية، حتى في صفوف "المعارضة"، إذا ما ترجِم بحرفيّته داخل مجلس الوزراء.

ولعلّ تركيز الحريري على "المشتركات" أكثر من أيّ شيءٍ آخر في خطابه، أعطى "مؤشراً إيجابياً" لحلفائه وخصومه على حدّ سواء، علماً أنّه يدرك سلفاً أنّ جمعهم على طاولةٍ واحدةٍ يكاد يكون "لعباً بالنار"، خصوصاً في ظلّ شيوع منطق "النكايات السياسية" الذي من شأنه تحويل مجلس الوزراء من "خلية عمل" كما يريد الحريري، إلى "ساحة حرب" أو "حلبة ملاكمة" إن جاز التعبير، سيعمل كلّ فريق على تحقيق الغلبة من خلالها على منافسه.

ومع أنّ هذه "النكايات" ليست غائبة عن مقاربة الملفات التي تعني المواطنين، بموجب طريقة توزيع الوزارات داخل الحكومة، وما سبق أن جُرّب في حكوماتٍ سابقة، خصوصاً على صعيد أزمة الكهرباء، حيث يتّهم كلّ فريق خصمه بتعطيل خطّته لحلّها حتى لا يسجّل "الإنجاز" من كيسه، ليكون المواطن هو الخاسر، فإنّ الحريري أراد أن يقول إنّ الأمر يجب أن يكون مختلفاً هذه المرّة، خصوصاً أنّ الظروف ليست مشابهة، باعتبار أنّ هناك برنامج عمل واضحاً، له تمويل وآليات عمل محدّدة مسبقاً عنوانها الإصلاح والشفافية، بموجب مؤتمر سيدر الذي عقد العام الماضي لدعم النهوض الاقتصادي للبنان.

قال الحريري إنّ الفرصة المُتاحة اليوم يجب أن لا تضيع، خصوصاً أنّها قد لا تتكرّر، كلامٌ يفترض أن يلاقيه فيه مختلف الفرقاء، الذين سبق أن أعلنوا دعمهم لمقررات مؤتمر سيدر، بغضّ النظر عن الاختلافات السياسية، ولكنّه تأييدٌ يبقى برأي كثيرين، في خانة "النظريات" لا أكثر، على اعتبار أنّ "شياطين" الخلافات تبقى بالمرصاد، علماً أنّ الخشية الحقيقية أن يعمد البعض إلى "اختراعها" إن لم تكن موجودة في الأساس، خصوصاً أنّ الجميع يتصرّف وكأنّ معركة رئاسة الجمهورية فُتِحت، ولو قبل الأوان.

الطريق ليست وردية!

من يستمع إلى كلمة رئيس الحكومة في ذكرى اغتيال والده يشعر للوهلة الأولى، أنّ زمن "الخراب" قد ولّى، ليحلّ بدلاً منه زمن "النهضة"، وأنّ البلاد مقدمة في الأسابيع المقبلة، بعد نيل الحكومة الثقة، على مشاريع بالجملة ستعيد للبنان هويته العصرية التي يصبو إليها. إلا أنّ مثل هذه "القناعة" تبقى "ملغومة" بنظر كثيرين، من الملمّين أو بالحدّ الأدنى المطّلعين على الشأن اللبناني، ممّن يعتقدون أنّ الطريق لا يمكن أن تكون "وردية" إلى هذه الدرجة، وأنّ الخلافات لن تتأخر قبل أن تطلّ برأسها من جديد، من داخل مجلس الوزراء.

وفي هذا السياق، يعتبر هؤلاء أنّ بعض "الألغام" بدأت "تباشيرها" تظهر من خلال كلمة الحريري، على رغم إيجابيّتها الظاهرة، وهو ما تجلّى تحديداً في القسم المتعلق بالنازحين السوريين، وهو الملف الذي يُعتقَد أنّه سيكون من أوائل الملفّات المطروحة أمام مجلس الوزراء، وأنّه قد يكون من العوامل "التفجيريّة". ولعلّ المفارقة التي استوقفت المتابعين أنه، بعد كلّ ما قيل عن "توافق في الرؤى" بين الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل في مقاربة هذا الملف، أتت كلمة الحريري لتوحيبالعكس، من خلال تشديده على "العودة الطوعية" للنازحين، وتكراره العبارة أكثر من مرّة، فيما خاض باسيل "معركة" لاستبدال العبارة بـ "العودة الآمنة".

ومع أنّ الحريري كان واضحاً في رفضه "المزايدات" على هذا الصعيد، مؤكداً أنّ حلّ الأزمة يبقى بعودة النازحين إلى بلادهم، ولو بشكلٍ طوعيّ، فإنّه استبق أيّ ضجّة حول التنسيق مع سوريا، معتبراً أنّ التنسيق الأمنيّ قائمٌ أصلاً، ومحذراً من نوايا النظام السوري، ليعيد بذلك دائرة النقاش إلى مربّعها الأول، والمتعلّق تحديداً بكيفية مقاربة الحكومة لملف العلاقات مع سوريا، خصوصاً أنّ هناك فئة أساسيّة في الحكومة، تتخطّى ثلثها المعطّل، تنشد إعادة تطبيع العلاقات مع النظام في سوريا، بل إنّ ثمّة من مكوّنات الحكومة الرئيسية من لا يزال يصرّ على أنّ من أولى مهمّات هذه الحكومة إعادة رسم العلاقة مع سوريا.

وإذا كان ثمّة من يقلّل من شأن الرهان على خلاف على هذا الصعيد، باعتبار أن التطورات الإقليمية هي التي ستحدّد في النهاية اتجاه البوصلة، خصوصاً أنّ ثمّة قناعة لدى البعض بأنّ الاندفاعة العربية نحو سوريا ستعود إلى الواجهة في المرحلة المقبلة، وسيكون على لبنان مواكبتها بطبيعة الحال، بمباركةٍ من الحريري شخصياً، فإنّ هناك من يعتبر في المقابل أنّ هذا الأمر ليس سوى عيّنة عمّا ينتظر الحكومة من تحديات عند كلّ استحقاقٍ سياسيّ يشهده الداخل أو حتى الإقليم، وما الحديث عن تحييدها عن الصراعات السياسية سوى ضحك على الذقون، لا يستقيم في بلدٍ كلبنان، حيث النأي بالنفس عن أزمات المنطقة، لا الداخل، بقي حبراً على ورق.

"جرب تحزن"؟!

انطلاقاً من كلّ ما تقدّم، يخشى اللبنانيون أن يكونوا أمام تطبيق جديد لمقولة "اسمع تفرح جرّب تحزن". فكلام الحريري حول الاقتصاد والإصلاح جميل، بل مُفرِح، لكنّ التحدي كبير، ويكاد يكون مستحيلاً برأي البعض.

وقد تكون مداخلات النواب خلال جلسات الثقة، وتحديداً أولئك المنتمين إلى الكتل الممثلة في الحكومة، لا المعارضين على قلّتهم، كافية لدقّ ناقوس الخطر على هذا الصعيد، إذ إنّ مكوّنات الحكومة نفسها تبدو أقرب للمعارضة منها إلى السلطة، بل إنّها تبتدع "ثقة مشروطة" لا ينصّ عليها الدستور، في محاولةٍ لخفض الرهانات.

بين الكلام والفعل، شوطٌ كبير يُنتظر أن تعبره الحكومة، فإما تثبت للبنانيين أنّها قادرة على تجاوز كلّ الخلافات والنكايات، وإما تؤكّد المؤكّد مرّة أخرى، لتصبح مقولة "من جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً" هي الأصحّ، مع ما ينطوي عليه ذلك من فقدانٍ للحدّ الأدنى من الأمل...