لم يكن مشهداً عابراً ان يشارك عدد من ​الدول العربية​ على غرار السعوديّة والامارات والبحرين وقطر والكويت واليمن وغيرها... في مؤتمر ​وارسو​، ويجلسون على طاولة واحدة مع رئيس الوزراء ال​اسرائيل​ي ​بنيامين نتانياهو​، لا بل لم يجد بعض ممثلي هذه الدول أي مشكلة في الجلوس الى جنبه. هذا الامر يعني امراً واحداً وهو ان قطار التطبيع قد بات على السكّة، وقد مهّدت له زيارة نتانياهو نفسه الى سلطنة عمان في تشرين الاول من العام الفائت.

وعليه، اصبح من الغريب وربما من النادر ان نسمع مواقف مماثلة لتلك التي كان اطلقها رئيس مجلس النواب الكويتي مرزوق الغانم في مناسبتين خلال انعقاد المؤتمر البرلماني الدولي وهاجم فيهما اسرائيل، وعمل في احداها على طرد ممثلها من البرلمان بفعل الكلام الشديد اللهجة الذي وجهّه اليه. وبعدما فشلت اسرائيل في اجتذاب العرب عبر سيّاسة الترغيب والترهيب، كان من السخريّة ايجاد الجواب السحري للتطبيع مع العرب عبر اعتماد "الفزّاعة الايرانيّة". هناك مآخذ كثيرة من قبل عدد من دول الخليج على ايران، ولكن ان تصل الامور الى حدّ اعتبار اسرائيل اقرب الى العرب من الايرانيين، ففي الامر موقف مريب. فكيف يمكن تفسير "الاطماع الايرانيّة" وعدم التطرّق الى الاطماع الاسرائيليّة؟ وهل باتت اسرائيل فعلاً رمز الاعتدال والانفتاح والتسامح؟!، واذا كان الامر كذلك، فهل ما قاله الغانم يجب تفسيره على انه تهجّم على "دولة صديقة"؟!.

لماذا استسهال فتح خطوط مع اسرائيل وحجب التواصل مع ايران؟ لقد حاول العالم في السابق وضع العرب في مواجهة مع ايران عسكرياً عبر دولة العراق، حيث دارت مواجهات استمرت ثماني سنوات قبل ان تنتهي بعودة الامور الى ما كانت عليه قبل الحرب، وها هي ايران اليوم تُعتبر من الدول الاكثر صداقة مع العراق. ويبدو ان المسار ضد ايران اتخذ مقاربة اخرى عبر اعتماد التطبيع. وفي خضم هذه المعضلة العربيّة- الاسرائيليّة-الايرانيّة، يبدو ​لبنان​ وسط هاويتين: إمّا مخالفة رؤية دول عربيّة، وإما ادارة ظهره الى ايران. فإذا سار قطار التطبيع مع اسرائيل بشكل طبيعي، سيكون على لبنان ان يركب القطار نفسه، وهو أمر لن يروق لشريحة كبيرة من اللبنانيين الّذين لن يرضوا بتعديل الدستور والتاريخ باعتبار اسرائيل عدوّة نظراً الى استمرار احتلالها لاجزاء من لبنان، واطماعها في ثروته الطبيعيّة بشكل علني. ولن تكون هذه المشكلة الوحيدة، لأنّ الانقسام سيصل حتماً الى حد المواجهة العسكريّة فنكون امام واقع مشابه للواقع الذي عاشه لبنان ايام الحرب السوداء التي دارت على ارضه في سبعينات القرن الفائت. ولن يكون بمقدوره رسمياً التمسّك بذريعة الاصطفاف وراء قرارات الجامعة العربيّة، لانّ ما يصحّ في حالة سوريا لا يصحّ ابداً في حالة اسرائيل، علماً انّ اتّخاذ قرار في الجامعة على هذا المستوى لن يكون سهلاً بسبب مواقف الكثير من الدول العربيّة التي لا ترى في ايران تهديداً لها، وستبقى ملتزمة الوقوف ضد اسرائيل وتصرفاتها.

اما في الحالة الاخرى، أي عدم قبول لبنان بالركوب في قطار التطبيع، فقد ترى فيه دولاً عربية انشقاقاً لبنانياً عن الوحدة العربيّة، وتهديداً لها على اعتبار ان بيروت ستصبح خارج القرار العربي، وسيتم التعامل معها على هذا النحو مع كل ما يعنيه ذلك من تضييق مالي واقتصادي وزعزعة للوضع على المستويين السياسي والامني، كما سيكون محطّة "انتقام" دائمة على اجندة دول اجنبيّة كبيرة.

في المبدأ، قد يكون من المبكر الكلام عن حصول التطبيع في فترة زمنية قصيرة، رغم وضع القطار على السكّة، وذلك بسبب وجود عدد لا يستهان به من الدول العربيّة المناهضة لهذا الامر، والتي ستأخذ على عاتقها عدم الترويج للتطبيع حالياً، انما الصعوبة ستتمثل في قدرة الولايات المتّحدة او غيرها على انتزاع مطلب مهم من المطالب العربيّة، واعتباره بادرة اكثر من كافية لإرساء التطبيع، واظهار "حسن النيّة" الاسرائيلية.

وعليه، فإنه من المنصف القول ان لبنان ليس مستعجلاً على اتّخاذ قراره اليوم من مسألة التطبيع، كما انه قد يعمل على ايجاد حيثيّة خاصّة به تضعه خارج التطبيع من جهة، وعلى تفهّم وضعه وقراره في هذا المنحى من جهة أخرى كونه لا يزال في حالة عداء مع اسرائيل.