من المُنتظر أن ينطلق عمل الحكومة الجديدة بقُوّة خلال الأيّام والأسابيع القليلة المُقبلة، في ظلّ غطاء سياسي واسع تُرجم بنيل الحكومة ثقة مجلس النوّاب بأغلبيّة كبيرة. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه، هل سيكون من المُمكن مُعارضة التفاهم القائم بين رئيس "التيّار الوطني الحُرّ" وزير الخارجية والمُغتربين جبران باسيل ورئيس "تيّار المُستقبل" رئيس الحكومة سعد الحريري؟ وكذلك هل سيتسبّب هذا الأمر بإهتزاز تحالفات وبنشوء أخرى؟.

لا شكّ أنّ الحاجة اليوم مُتبادلة بين "الوطني الحُرّ" و"المُستقبل" لنجاح الحكومة، لأنّ الأوّل يعتبر أنّ نجاح هذه الأخيرة يُمثّل نجاحًا للعهد الرئاسي ككل بقيادة الرئيس العماد ميشال عون، والثاني يعتبر أنّ نجاح الحكومة يُمثّل نجاحًا شخصيًا له ولمُستقبله السياسي. وكل من رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة مُقتنع بأنّ من شأن تفعيل تعاونهما الثُنائي، أن ينعكس إيجابًا على مسيرة النُهوض بالدولة، وعلى مسيرة الإصلاح، حيث بات الحديث في الكواليس يتجاوز مسألة التعاون الثنائي بين الطرفين طوال عهد العماد عون، وُصولاً إلى بناء ثُنائية مَتينة بين "التيّار الوطني الحُرّ" و"تيّار المُستقبل" لسنوات مُقبلة، وربّما لعُهود أخرى آتية! وعلى الرغم من أنّ كل الأفرقاء السياسيّين مُقتنعون بأنّه من الضروري التكافل والتضامن وتذليل العقبات السابقة لمُعالجة المشاكل الإقتصاديّة والماليّة والحياتيّة والإجتماعيّة والمَعيشيّة المُتراكمة، فإنّ العديد من هؤلاء الأفرقاء يرفضون أن تكون هذه المُعالجات على حساب وُجودهم وأفكارهم وحقّهم بالإعتراض.

بالنسبة إلى رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط الذي إرتضى على مضض سحب الوزير الثالث من حصّته ومنحه إلى خصمه "الحزب الديمقراطي اللبناني" قبل أن يتفاجأ بتعيينه وزير دولة لشؤون النازحين، والذي أغاظه أيضًا تعيين مُرشّح مُنافس للائحته في "الشوف" وزيرًا للمُهجّرين مع ما لهذه الخُطوة من ضرر إنتخابي عليه، فهو يعتبر أنّ تحالف الحريري–باسيل جاء على حسابه وعلى حساب مصالحه، ولن يقف مَكتوف الأيدي أمام مُحاولات تطويقه والتضييق عليه، تمهيدًا لتحجيمه سياسيًا أكثر فأكثر في المَرحلة المُقبلة. وهو مُصمّم على أن يعتمد سياسة "الهجوم أفضل طريقة للدفاع" على طاولة مجلس الوزراء، ولن يكون جاهزًا للتوقيع تلقائيًا على تفاهمات رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة. وبالنسبة إلى رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع الذي وافق بدوره على مضض على حصّة من أربعة وزراء بدون حقيبة سياديّة أو خدماتيّة أساسيّة، قبل أن يُوافق مُجدّدًا على التنازل عن حقيبة الثقافة في مُقابل وزارة دولة لشؤون التنمية الإداريّة لحلّ المُشكلة التي تسبّب بها رئيس "التيّار" بإصراره على الحُصول على وزارة البيئة، غير راضٍ من جهته على مُحاولات تحجيمه وتجاوز ثقله السياسي والشعبي على الساحتين المسيحيّة واللبنانيّة. وهو–وعلى الرغم من رغبته بمنح الحُكومة فرصة العمل وبعدم إثارة المشاكل في المرحلة الحاليّة، مُصمّم أيضًا على ألا تكون تواقيع وزرائه في الحكومة عبارة عن بصم أعمى على مشاريع القوى الأخرى، من دون مراعاة لجملة واسعة من الإعتبارات والمعايير.

وبالتالي، إنّ مُمثّلي جعجع وجنبلاط يُخطّطون لئلاّ يكونوا أرقامًا إضافيّة لا غير على طاولة مجلس الوزراء، حيث سيسعون لأن يلعبوا أدوارًا فاعلة في الحُكومة. والمُشكلة أنّ رئيس "التيّار الوطني الحُر" الذي تعامل في السابق مع الإعتراضات التي طالت مشاريع "التيّار" على المُستويات الإقتصاديّة والإعماريّة والحياتيّة وكأنّها إعتراضات بخلفيّات سياسيّة فقط للنيل سياسيًا من "التيّار" ولإضعاف العهد، يُعوّل على إنضمام رئيس الحكومة إلى هذه النظريّة الرافضة لأيّ إعتراضات من شأنها أن تؤثّر سلبًا على عمل الحكومة. وإذا كان من الطبيعي أن يُواجه الوزير باسيل أيّ إعتراضات لمشاريع "التيّار" سياسيًا وإعلاميًا، فإنّ الأنظار ستكون شاخصة إلى الموقف الذي سيتّخذه رئيس الحكومة من حليفيه السياسيّين، أي "القوات" و"الإشتراكي" في حال أخذا مواقف مُعارضة بوجه مشاريع "التيّار". والسؤال الذي يفرض نفسه: هل سيعتبر الحريري الإعتراضات على طاولة مجلس الوزراء إقتصاديّة بحت ومُحقّة قانونيًا، أم أنّه سيُصنّفها–كما باسيل، إعتراضات سياسيّة؟.

والمُفارقة أنّه إذا كان "حزب الله" يحرص بدوره على إنجاح عمل الحكومة، ليكون قادرًا على التفرّغ للصراع السياسي–الأمني المُستمرّ في الشرق الأوسط بعيدًا عن أيّ مشاكل داخليّة، فإنّ أطرافًا أخرى من قوى "8 آذار" غير مُتحمّسة لإنجاح تحالف "الحريري–باسيل" بشكل مجاني. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا "تيّار المردة" في وارد التساهل في معركته السياسيّة الوُجوديّة والتي لا تخلو من خشية من فقدان منصب الرئاسة مُجدّدًا في المرّة المُقبلة في ضوء ما يُنسج من تحالفات بعيدة المدى، ولا حركة "أمل" في وارد هضم أيّ تفاهمات ثُنائيّة على حساب دور رئاسة مجلس النواب في المُشاركة في صنع القرار، وعلى حساب رغبة "الحركة" في المُشاركة في تحقيق المكاسب.

وفي الخُلاصة، الجميع يُريد مُعالجة الوضع المُتردّي للبنانيّين، لأنّ الأزمات لا تستثني أيّ شريحة من المُجتمع اللبناني، لكنّ تسهيل عمل الحُكومة قد يصطدم سريعًا بالتجاذبات السياسيّة المتعدّدة الجهات. وليس من المُستبعد أن تأتي بعض المصالح الإقتصاديّة على حساب بعض التحالفات السياسيّة، ولا أن تدفع بعض المصالح السياسيّة المُشتركة المُستجدّة إلى نُشوء تموضعات سياسيّة جديدة غير مُباشرة مَبنيّة على مصالح مُشتركة.