تغَلْغَل الطَّلاق من أَرْوِقة الأَحْوال الشَّخصيَّة المَمْسوكة دينيًّا، ما يُبرِّرُ رُبَّما دَعْوة وَزيرة الدَّاخليَّة والبلديَّات ريَّا حفَّار الحسن إِلى السَّماح بالاقْتِران المدنيِّ الاختياريِّ، ويُعزِّز هذه الدَّعوة. غير أَنَّ هذا الطَّرْح أَعاد تَمَوْضع "البلوكات الدِّينيَّة" الماسِكة بأُمور البِلاد والعِباد، في جبهَة الرَّفْض المُطْلَق لحَصْريَّة الزّواج الدِّينيِّ، مع تَسْجيل "مُحاولاتٍ" لتَطْهير المرجعيَّات الدِّينيَّة من الفساد اللاحِق في بَعْض أَصْحاب الحلِّ والرّبط ضمنَها...

الرُّوتا الرُّومانيَّة

وإذا كان الطَّلاق خِدْمَةً بِدرجة (VIP)، على اعْتِبار أَنَّه خدمةٌ تُمْنح لأَصْحاب الجاه والمال والسُّلْطة، وبِهَدف تَشْذيب "هذا السِّرِّ المُقدَّس" عِنْد المَسيحيِّين من أَيِّ خطأٍ في الحُكم، أو فسادٍ مُحْتملٍ، فقد أَنْشَأت الكنيسة الكاثوليكيَّة "مَحْكمة الرُّوتا الرُّومانيَّة"، وهي "محكمةٌ قضائيَّةٌ، ومحكمةُ الاسْتِئناف الأَعلى لكلِّ مَحاكم الكنيسة الكاثوليكيَّة. لا بل هي المَحكمة الوحيدة في العالم الَّتي يحقُّ لها أنْ تُنْتج الاجْتِهاد الكنسيَّ، وهي بذلك تَكون عُنْصرًا مُوحَّدًا للعدالة في الكنيسة، من خلال أَحكامها والمساهمات القانونيَّة الَّتي تؤدِّيها إلى سائر المحاكم الرُّوحيَّة في العالم".

وتتألَّف مَحكمة الرُّوتا من عشرين قاضيًا، يَخْتارهم قَداسة البابا من كلِّ أَنْحاء العالم الكاثوليكيِّ، وفيها محامِيَانِ عن العدل: أَحدُهما من الكنائس الشَّرْقيَّة والآخر من الكنيسة اللاتينيَّة، ويُرافع فيها فقط المُحامون الحائِزون على لقب "محامٍ روتاليٍّ". ويُعْطى هذا اللَّقب إلى مَن تابع دروسًا في محكمة الرُّوتا لثلاث سنوات بعد حصوله على الدُّكْتوراه في الحقِّ القانونيِّ، ونجح في الامتحان الأَخير الَّذي يُخوِّله حمل اللَّقب. وينْظر قُضاة الرُّوتا بالدَّعاوى الَّتي بين أَيْديهم في هيئاتٍ قضائيَّةٍ من ثلاثة قُضاةٍ مُداورةً، وتنتقل الدَّعوى من هيئةٍ إِلى أُخْرى في درجات المُحاكمة حتَّى انتِهائها.

غير أنَّ "الرُّوتا" لا تَنْظر في قضايا مَفاعيل الزَّواج المدنيَّة كالنَّفقة والحراسة والحَضانة والمُشاهدة والاصْطِحاب وغيرِها...

مفارقة إسلاميَّة

البارز في ما ورد أَعْلاه في شَأْن "محكمة الرُّوتا"، يتجلَّى في عبارة "عُنْصرٍ مُوحَّدٍ للعدالة". ذلك أَنَّ العدالة قد تَنْجرف في تيّار المَحْسوبيَّات والسُّلطة والمال والنُّفوذ، فتَكون النَّتيجة مُخْتلفة في قضايا الطَّلاقِ بين دولةٍ ودولةٍ، ولو أَنَّ المُعْطيات شَبيهة إِلى حدٍّ كَبير، وكذلك الرُّكون إِلى الكِتاب الدِّينيِّ نَفْسه.

وللإضاءة على ذلك لا بدّ من الرّكون إلى حُكمَين شرعيَّين في موضوع الطَّلاق، جريا في كلٍّ من الكويت ولبنان.

الكويت

فقد قَضَت مَحْكمة الاسْتِئناف الكويتيَّة غيابيًّا بسَجْن النَّائب الإِسْلاميِّ، وليد الطَّبطبائي، "7 سنوات مع الشِّغْل والنَّفاذ" بعد إِدانَته "بمواقعة" طليقتِه لِعامٍ كاملٍ، مِن دون إِعْلامها بحصول الطَّلاق. وقال مُحامي طَليقة الطَّبطبائي، محمَّد ناصر العتيبي لـ"وكالة الصِّحافة الفرنسيَّة"، إِنَّ "محكمة الاستئناف أَيَّدت الحُكْم الَّذي أَصْدرته المحكمة الابتدائيَّة عام 2018" في حقِّ الطَّبْطبائي، الَّذي تزوَّج من طليقَته الكويتيَّة في 2009، ورُزِقا معًا بطفلةٍ. وأَضاف العُتيبي: "الحُكْم لَيْس سياسيًّا، وإِنَّما حَصلت مُوكِّلتي بموجبه على حقوقِها بعد استغلالٍ ومواقعةٍ بالحيلة، يجرِّمها القانون والشَّريعة".

وبحسب العُتيبي، فإِنَّ السَّيِّدة "اكْتَشفت بأَنَّها مُطلَّقة بعد عامٍ (من وقوع الطَّلاق) حين رفَعت في 2017 دعوى قضائيَّة تتَّهم الطَّبْطبائي فيها بالامْتِناع عن الإِنْفاق عليها وعلى ابنتهما". وتابع أَنَّ "الحُكْم صَدر بَعْدما أَكَّدت مجموعةُ خُبَراء انتدبَتْها المحكمة، صحَّة الأَدلَّة الَّتي تُؤَكِّد استِمْرار العَلاقة بين الزَّوجين أَثْناء فترة وقوع الطَّلاق، وبينها صُوَر ورَسائل حميمة تبادلها النَّائب مع طليقته عبر تطبيق (واتساب(".

لبنان

أَمَّا في لبنان، فتَقول السَّيِّدة (ه. م.) إِنَّها قصدَت دار الفَتْوى بعدما علِمَت أَنَّ زَوْجها قد طلَّقها "طَلْقةً على طَلْقةٍ، أَرْبع مرَّات"، من دون علمِها، وقد بقيا تحت سقف بَيْتٍ واحدٍ، وهي تُؤَمِّن له كلَّ حقوقه الزَّوجيَّة، إِلى أَنْ تبيَّن لها وضعها الشَّرْعيّ. عندَها قصَدَت "دار الفَتْوى" للشَّكْوى، غير أَنَّ الحُرَّاس منَعوها من الدُّخول، فيما قاضي الشَّرْع قال لها: "خلِّيها لأَللَّه هو بيحاسِب طليقِك"...

وأَضافَت: "إنَّ شقيق طَليقي شَيْخٌ وطلباتُه نافِذةٌ لدى دار الفَتْوى، وقد أَجْرى الاتِّصالات اللازِمة لمَنْع وصولي إِلى دار الفَتْوى للشَّكْوى".

إِذًا الحال نفسها في الكويت كما في لبنان: "مواقعة" الطَّليقة لِعامٍ كاملٍ في الكويت، ولأَكْثر من عامٍ في لبنان. والكِتابُ واحدٌ، والدِّين واحدٌ، والظُّروفُ شبيهةٌ إِلى حدٍّ كبيرٍ، ما جعل السَّيِّدة (ه. م.) تتمنَّى لو كانَت في الكويت كي تَنالَ حقوقها الشَّرْعيَّة، أو لو انتَسبَت إِلى دينٍ آخَر، فَلربَّما كانَت نالَت حقَّها.

وتزامُنًا مع الحَديث معها، ردَّ "المَكْتب الإِعلاميُّ في دار الفَتْوى" على "المُتسائلين عن موقف مُفْتي لبنان الشَّيخ عبد اللَّطيف دريان ودار الفَتْوى والمجلس الشَّرعيِّ الإِسلاميِّ الأَعلى، من موضوع الزَّواج المَدَني في لبنان، "الَّذي أُعيد طرحُه وتداولُه عبر مَواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، وبعض وسائل الإِعلام وليس في المجلس النِّيابيِّ".

وأكَّد أَنَّ الموقِف "معروفٌ منذ سنوات، في الرَّفض المُطْلق لمشروع الزَّواج المَدنيِّ في لبنان، ومعارضته لأنَّه يُخالف أَحْكام الشَّريعة الإِسْلاميَّة السَّمْحاء جُمْلةً وتَفْصيلاً من أَلفه إِلى يائِه، ويُخالف أَيضًا أَحكام الدُّستور اللبنانيِّ في ما يتعلَّق بوجوب احْتِرام الأَحْوال الشَّخْصيَّة المعمول به في المَحاكم الدِّينيَّة العائِدة إِلى اللُّبنانيِّين في المادَّة التَّاسعة منه. وبالتَّالي لا يُمْكن إِقْراره في المجلس النِّيابيِّ مِن دون الأَخذ برأي دار الفَتْوى وسائر المَرْجعيَّات الدِّينيَّة في لبنان".