اختصرت الجلسة الأخيرة لمناقشة البيان الوزاري وبالتحديد عملية التصويت التي تمت في ختامها لاعطاء الثقة للحكومة المشهد السياسي الجديد في البلد، حيث المعارضة العلنية والفعلية محدودة ومختصرة بـ6 نواب، فيما النفس المعارض والمنتقد هو الطاغي على البعض من النواب الآخرين.

ففي ختام جلسة يوم الجمعة التي طالت كثيرا ولامست منتصف الليل، كان لـ6 نواب فقط الجرأة في عدم مسايرة رئيس الحكومة والوزراء الجدد واعلان المواجهة الصريحة والمفتوحة مع أهل السلطة بحجبهم الثقة. لكن ما تجرأ عليه نواب "الكتائب" والنواب جميل السيد وبولا يعقوبيان وأسامة سعد، بقي يغصّ في نفوس عشرات النواب الآخرين الذين استخدموا المنبر النيابي لأيام لانتقاد الحكومات المتعاقبة وأهل السلطة الذين توالوا على المسؤولية على مر سنوات، ولم يتوانوا عن ترجيح أن تكون تجربة الحكومة والمسؤولين الجدد مماثلة للتجارب التي انتقدوها، من دون ان يمتلكوا جرأة المعارضة العلنيّة، سواء لأنهم شاركوا في عمليّة المحاصصة وأتت حصصهم محدودة جدا، او لأنهم، وهذه حالة معظمهم، مضطرّون للانصياع الى القرار النهائي لقيادات كتلهم المكوّنة للسلطة.

وكان لافتا أن عددا كبيرا من النواب رَهَن الثقة التي منحها للحكومة بانتاجيتها خلال الأشهر الـ3 الأولى، وكأن هؤلاء على استعداد للمحاسبة الحقيقيّة ودعوة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي لعقد جلسة جديدة بعد فترة معيّنة لاعادة طرح الثقة بهذه الحكومة. وهو ما تضعه مصادر سياسيّة في خانة "الخطاب الشعبوي"، معتبرة أن "لا نيّة ولا قدرة لدى أيّ ممن ربطوا الثقة بالانتاجيّة خلال الأشهر الأولى من العمل الحكومي للتعاطي مع قرارهم هذا بجدّية".

ولعلّ أبرز ما يتوجب التوقف عنده، هي هذه التركيبة الهجينة غير المسبوقة للكيان المعارض، بحيث ان النواب الـ6 الذين حجبوا الثقة، يمتلكون أجندات سياسيّة مختلفة تماما تجعلهم على الأرجح يختلفون على كل شيء الا على اعطاء هذه الحكومة صوتهم. واذا كان التشاور والخطوط مفتوحة بين "الكتائب" وممثلة المجتمع المدني الوحيدة في المجلس النيابي بولا يعقوبيان، الا ان هذه الخطوط على الأرجح لن تُفتح يوما بين "الكتائب" واللواء جميل السيد أو بين "الكتائب" وأسامة سعد، ما يوحي، بحسب مصادر مطلعة، بأن المعارضة ستتخذ شكلا جديدا في لبنان، لا يمكن الجزم بعدم فعاليته منذ اليوم، خاصة أن لكل من النواب الـ6 وزنه وجمهوره. سواء نواب "الكتائب" الـ3 أو بولا يعقوبيان التي نجحت بتشكيل ظاهرة خلال أقل من 8 أشهر من عملها البرلماني، مرورا بالنائب السيد الذي استغرب البعض انضوائه في صفوف المعارضة رغم انسجامه الى حدّ بعيد مع سياسات حزب الله وقربه من رئاسة الجمهورية، ووصولا الى النائب أسامة سعد الذي يلتفّ حوله المئات الذين يرون فيه خير من يمثل المواطن اللبناني المستضعف.

ولا تستبعد المصادر أن تكون "المعارضة بالمفرق أكثر فعالية من المعارضة بالجملة التي اختبرناها في سنوات ماضية"، مرجحة أن "يتوسع الكيان المعارض مع مرور الأشهر، لا سيّما وأن الكثير من النواب أعطوا الثقة على مضض ولاعتبارات كثيرة، ما يجعلهم مشاريع معارضين مستقبليين". وتضيف المصادر: "لم تعد ظاهرة المعارضة من داخل الحكومات غريبة على المجتمع اللبناني، مع ترسيخ بعض القوى نظريّة وجوب المشاركة بالسلطة للمواجهة والتعطيل من الداخل، لاقتناعها بأن الاكتفاء بممارسة المعارضة البرلمانّية لن يكون مجديا وسيترك المجال لأخصامها ليسرحوا ويمرحوا، وكيف اذا كانت الحكومة الحاليّة هي التي ستهيّء للانتخابات النيابية المقبلة في العام 2022"؟!.

وبين معارضين متصالحين مع أنفسهم ارتأوا عدم استخدام الأقنعة منذ انطلاقة المشوار وآخرين قرروا الاحتفاظ بأوراقهم مستترة لاستخدامها من داخل السلطة بهدف ممارسة لعبة التعطيل في محطات ومراحل محددة، مفاهيم تتطلب اعادة نظر تماما ككثير غيرها من المفاهيم في الحياة السياسيّة اللبنانيّة التي امتهن اللاعبون المتمرسون تطويعها لخدمة مصالحهم وأجنداتهم.