أكد المدعي العام المالي القاضي ​علي ابراهيم​، أن "​مكافحة الفساد​ لا يمكن حصرها بمؤسسة واحدة، بل هي عملية تتحمل مسؤوليتها المؤسسات المعنية والمواطن والإعلام على حد سواء"، مشيرا الى "أن أكبر التحديات التي تواجه ​النيابة العامة المالية​ في مهمتها الصعبة في مكافحة الفساد هي الثغرات المرتبطة ببعض القوانين، والتي على القاضي الالتزام بها، وتطبيقها وفقا للمعطيات القائمة بين يديه، وتقف حدود مهمته هنا، كونه لا يمكن له أن يأخذ عمل المشرع ويسن القوانين، ففي ​لبنان​ نظام قانوني فاسد يحمي الفساد والمفسدين".
وفي حديث اعلامي له، رد على سؤال لتلفزيون "النشرة" معلنا ان "كلام النائب حسن فضل الله عن هدر المال العام، أصبح بمثابة إخبار"، مشيراً الى "أنني اتخذت الإجراءات اللازمة في النيابة العامة المالية، وطلبت من القلم إرسال كتاب رسمي للنائب فضل الله للتعرف إلى كل ما لديه من مستندات وأدلة، وإذا اقتضى الأمر أن أسمعه، سأستمع لإفادته".
واشار الى إمكانية أن تكون القضايا المتبقية من ملفات هدر المال العام منذ العام 2006 إلى العام 2012، قد سقطت بمرور الزمن"، مؤكداً أنه "إذا كانت كمعظم تصنيفات العمل الجرمي من هذا النوع، أي جنحة، تسقط بعد ثلاث سنوات، أما إذا كانت جناية فتنقضي بعد 10 سنوات، وهو الأمر الذي يمكن وضعه أيضا في خانة الثغرات القانونية".
وعن إعادة المال العام بعد المحاسبة في حالات سرقة ​الدين العام​، وتحديدا في ملف مستشفى ​الفنار​ للأمراض العقلية، أوضح القاضي ابراهيم، "أن في القانون ما يسمى بـ"الردود" وهو مختلف عن العطل والضرر، والمحكمة ملزمة بإلزام المجرم بإعادته حكما".
ولفت الى أن "تحديات كثيرة تواجه النيابة العامة المالية وتقف عائقا أمام تأديتها لمهمتها الصعبة، وفي مقدمها بعض القوانين، كالحصانة، وعدم إمكانية ملاحقة أي موظف إلا بموافقة الوزير المعني وعادة ما يمتنع الوزير عن الإجابة، على طلب الإذن، فلا يرفض الإذن ولا يقبله، وبالتالي لا يمكن للنيابة العامة المالية الرجوع للنيابة العامة التمييزية لأنه لن يرفض منح الإذن رسميا، ولا تستطيع استكمال التحقيقات لأن الوزير لم يتجاوب، حاميا بذلك بطريقة أو بأخرى الفاسد".
وأشار القاضي إبراهيم إلى أن "المالية العامة" تعمل على تخريجة قانونية ما، تحدد فترة طلب الإذن من الوزير الإداري خلال شهرين، وإلا تعتبر عدم الرد رفضا ضمنيا، وتكمل تحقيقاتها على هذا الأساس".
ورأى "أننا نعيش جوا جديدا في ما يخص مكافحة الفساد، من القوى السياسية التي ما عادت في وارد أن تخطو خطوة عكس هذا التيار، فكل الناس تحكي اليوم عن مكافحة الفساد"، مشددا على "ضرورة العمل على تغيير الذهنية لدى المواطن، الذي يسهل بطريقة غير مباشرة عمل الفاسدين عبر الانجرار لاعمالهم من رشوة وغيرها، ما يساهم في ترسيخ مبدأ الزبائنية في المؤسسات والإدارات العامة".
وعن الضغوط السياسية التي يتعرض لها القاضي ابراهيم مع طرح كل ملف من ملفات الفساد الحساسة، لفت الى أن "السياسي يعمل واجباته أمام النظام الزبائني القائم على الخدمات ولذلك يقوم بالتدخل وإجراء الاتصالات المكثفة بالقاضي المعني، لكن أنا أعرف في المقابل كقاض أن أقوم بعملي أيضا، وألا أرضخ لأي نوع من الضغوط الساسية بل الحكم وفقا للمعطيات القائمة".

وأكد ابراهيم "أن النيابة العامة المالية تعمل على ما يقارب الـ 8000 ملف سنويا، وكل هذا مع فريق عمل يضم أنزه القضاة الجديين، لجانب قلم وموظفين من أنزه الموظفين"، منوها "بدور مكتب مكافحة الجرائم المالية في ​قوى الأمن الداخلي​، وعلى رأسه العقيد بشار الخطيب، في المساعدة بملفات الفساد أيضا".
وشدد على "ضرورة تفعيل دور المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء السابقين، الذي يشكل رادعا لمحاسبة وزراء وشخصيات سياسية قد تكون أيديهم ملوثة بالفساد"، مشيرا إلى "أن تصريح رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ الأخير، الداعم للنيابة العامة المالية، يأتي في إطار تسليط الضوء على دور هذا المجلس، كون تفعيله يحتاج بالدرجة الأولى لدعم المشرع".
وعن قانون الإثراء غير المشروع 1999، لفت ابراهيم إلى أن "هذا القانون وضع كي لا يطبق"، مؤكداً أنه "بعد تقديم دراسات عديدة في هذا السياق، تبين لنا أننا لا نستطيع تطبيقه، لأن الدعوى العامة لا تتحرك إلا استنادا إلى من يتخذ صفة الادعاء الشخصي ويتوجب عليه دفع كفالة تساوي 25 مليون ليرة لبنانية".
وردا على سؤال عن كيفية متابعة القضايا من قبل النيابة العامة المالية، بعد الحكم بها، أكد ابراهيم أنه "في متابعة القضايا في الملحقات في المحافظات نرسل للنيابة العامة الاستئنافية كي تدعي على المتهمين، وكأننا نفوضها تحويل الملف لقاضي التحقيق، لكن في بعض الملفات الحساسة نطالب بأن يبقى أمر المراجعة في النيابة العامة المالية في بيروت".
وأعلن ان "من أبرز الملفات التي تحتاج للمتابعة اليومية، ملف تلوث نهر الليطاني، وهو الملف الذي يحتاج للتعاون مع البلديات والناس لإيقاف هذه الكارثة"، لافتا إلى أن "إزالة المخالفات عن نهر الغدير تحتم هدم 112 منزلا، وأن ملف الكهرباء مر على النيابة المالية العامة، لكن كل ما هو صادر في هذا الملف صادر بقرارات من مجلس الوزراء".
وعن ملف التوظيف العشوائي، أكد ابراهيم أنه "ينتظر المادة التي تشكل أساسا يعتمد عليه، للمباشرة بالملف الذي ما زال عالقا لدى التفتيش المركزي، كون هناك 5000 موظف، ما يعني أن التدقيق بمبررات توظيفهم والحاجة إلى كل موظف منهم على حدة ما يحتاج الكثير من الوقت".
وأشار الى أن "القانون يأخذ حصانة الموظف في لبنان عبر القانون رقم 112 تاريخ 12 حزيران 1959 الفرنسي، ونظام الموظفين الفرنسي يربط إذن الملاحقة بموافقة الوزير، "لكن الوزير الفرنسي همه حماية الدولة والمؤسسات، أما الوزير اللبناني فهمه حماية المذهب والدين".
ورأى القاضي ابراهيم أن "الدولة المدنية هي الحاضن الوحيد، والمخرج الوحيد للوصول إلى حل، ومكافحة الفساد، فليبق الدين والإيمان في البيوت والكنائس والجوامع ولنلجأ للدولة المدنية باعتبارها طريق النجاة الوحيد"، لافتا إلى أن غايته كمدع عام مالي "ليست اجتثاث الفساد في لبنان وهو أمر موجود في كل دول العالم، فذلك لا أستطيع فعله، بل أحاول تخفيفه لأدنى حد ممكن، ليوازي لبنان على الأقل الدول المتحضرة في معدلات الفساد".