عندما دخل الوزير ​علي حسن خليل​ الى ​وزارة المال​ عام 2014، صُدم لهول ما رآه، فالدكان الصغير في حي سكني بسيط قد يكون منظّما اكثر من وزارة مال ​لبنان​. عشرون عاما مرّت على ​وزارة المالية​ وكأنها لم تكن، لا يوجد حسابات لدرجة أنه في مرّات عديدة وصل الى الوزارة أوراق رسمية من جهات دولية تتحدث عن استحقاق دفعة لدين على لبنان، لا يُعرف ما هو ولا قيمته ولا اوجه صرفه.
الحديث عن كميّات الأموال الضائعة قد يكون سببا لآلام القلب، تقول مصادر في وزارة الماليّة، مشيرة عبر "النشرة" الى أن الوزارة كانت مغارة مفتوحة، تدخل اليها الاموال وتخرج دون حسيب ولا رقيب، وكأنّ من كان مؤتمنا على المال العام كان يعتقد أن زمن التدقيق بالحسابات لن يأتي، ولكنه أتى على شكل وعد من الوزير خليل، وعد ظنّ كثيرون أنه من ضمن الوعود التي يطلقها الوزراء وتضيع مع مرور الأيام. انتهى التدقيق وأحيلت الملفات الى ​القضاء​ بانتظار المحاسبة.
في جلسات الثقة النيابيّة التقى عضو ​كتلة الوفاء للمقاومة​ ​حسن فضل الله​ بوزير المال خارج قاعة المجلس، بادر فضل الله بالسؤال عن عمل الوزارة بحسابات الدولة، فكان الجواب بأن العمل انتهى، وأن التقارير النهائية قاب قوسين أو أدنى من الظهور، الأمر الذي دفع فضل الله لإثارة الملف بكلمته خلال الجلسة.
تكشف المصادر أن التقرير الذي يتحدث عنه خليل ينقسم الى شقّين، الأول هو عبارة حوالي 20 ألف صفحة، فيها ​تفاصيل​ التفاصيل، وهذا التقرير مع المستندات والملفّ كاملا أُحيل الى ​ديوان المحاسبة​ لإجراء المقتضى، اما التقرير الذي سينشر عبر الاعلام فهو يتكون من 398 صفحة تضم الملخصات.
إن التقررين بحسب المصادر هي عصارة عمل دام 4 سنوات، تم فيها البحث في 250 ألف وثيقة، إضافة الى آلاف أخرى موجودة على أقراص ممغنطة، حتى إن العمل طال البحث في 1200 عدد من ​الجريدة الرسمية​، وذلك للتفتيش عن قرارات اتخذتها ​الحكومة​ لصرف أموال وعدم وجود أيّ قيد لها بوزارة المال. وتكشف المصادر أن 92 بالمئة من الهبات الداخلية والخارجيّة غير مسجّلة في حسابات الوزارة، ما يعني أن مليارات ال​دولار​ات، وهي تقدّر بأكثر من ثلاثة مليارات أتت الى لبنان على شكل هبات وصُرفت في أماكن أو ذهب الى جيوب مجهولة، كما أن 75 بالمئة من ​القروض​ غير مسجّلة أيضا، بالاضافة الى وجود قروض أو هبات جاءت لمصلحة معيّنة وصُرفت في غير مكانها، الأمر الذي استدعى البحث عن مكان صرف الأموال والتأكد من عمليّة الصرف إن كانت حقيقية أم وهميّة.
كذلك من الأمور اللافتة في نتائج التدقيق هي تقديم سلفات خزينة لوزارات، مع العلم أن هذا الأمر مخالفا للقوانين كون سلف الخزينة تُعطى للمؤسسات التي تنتج أموالا وذلك من أجل اعادتها، الأمر الذي لا ينطبق مثلا على ​وزارة الأشغال العامة والنقل​ التي تصرف أموالها على تزفيت الطرقات، وهذا الأمر بحسب المصادر أضاع ما يقارب 4 مليارات دولار، أعطيت كسلف خزينة ولم تُرد، ولن تعود.
أما بالنسبة لمبلغ الـ11 مليار دولار الضائعة، فهنا تشير المصادر الى أن ​حزب الله​ كان الخاسر الأول في هذا الملف، كون القسم الأكبر من المبلغ هو أموال لتعويضات ​حرب تموز​ وكان يُفترض أن يكون من نصيب شركة وعد التي أعادت بناء ما دمرته الحرب الاسرائيلية في 2006، وفي مثال ليس على سبيل الحصر على هذا الأمر تقول المصادر: "عندما قيّمت "وعد" خسائر الشقة الواحدة وكلفة إعادة بنائها، اتضح أنها بحاجة الى 80 مليون ليرة، يقبضها الناس من الدولة ويقدّمونها الى الشركة التي تتكفل ب​البناء​، فقبض الناس دفعة اولى بـ40 مليون ليرة وواختفت أو ضاعت الدفعة الثانية، فتحمّلتها الشركة أي حزب الله.
لم تقُم وزارة المال بعملها هذا لأجل اتّهام أحد، بل لتنظيم حسابات الدولة أولا، وترك المسار القضائي يأخذ مجراه ثانيا، وبالتأكيد وبحسب المصادر نفسها أن وزير المال لم يقم بعمله لشهرة إعلامّية، بل لوضع الأمور في نصابها، ومن هنا يأتي حجم التنسيق بين خليل وفضل الله الذي استقى معلومات مؤتمره الصحافي من وزير المال نفسه، ففي الملفّات الاستراتيجيّة لا مكان للمنافسة، بل للتعاون والتنسيق بهدف الوصول الى نتائج إيجابيّة.
يترك وزير المال لنفسه بعض التفاصيل التي سيتحدّث عنها في مؤتمر صحافي قريب، مع العلم أنه سيسلك الطرق التنظيميّة في إيصال تقريريه الى ​مجلس الوزراء​ ومن ثم ​المجلس النيابي​. وهنا تشير مصادر الماليّة الى أنّ الوزير لا يمكنه أن يقوم بأكثر مما قام به فهو لا يمكنه محاسبة أحد، بل هنا يكمن عمل القضاء الذي يقف أمام استحقاق تاريخي، قد يكون الأهم في ​تاريخ لبنان​، فإما يدقّق ويحاسب وإما تنام الملفّات في أدراجه وتُغلق بلا نتيجة وبدون محاسبة من وجب عليه محاسبتهم.