لا تزال الكثير من الأسئلة تُطرح حول الجولة التي قام بها، في الأيام السابقة، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد على القيادات اللبنانية، لا سيما أنها في طور التحضير لزيارة وزير الخارجية الأميركيّة مايك بومبيو، في الأيام المقبلة، إلى بيروت، وما يمكن أن تحمله معها من مؤشرات جديدة بالنسبة إلى التوازن القائم على الساحة المحلية.

في المرحلة السابقة، كانت كل المعطيات تؤكد على وجود إتفاق إقليمي ودولي على إبقاء لبنان خارج دائرة الصراع المشتعل على مستوى المنطقة، نظراً إلى الخصوصية التي يتمتع بها، إلا أن الأجواء التي عممت بعد زيارة ساترفيلد توحي بأن الولايات المتحدة قد تكون في طور التغيير بإستراتيجيتها، في ظل الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، التي تضع على رأس قائمة أولوياتها زيادة الضغوط على إيران و"حزب الله"، في حين كانت إستراتيجية الإدارة السابقة، برئاسة باراك أوباما، تعتمد على فتح قنوات الإتصالات مع طهران، ما تُرجم بالتوقيع على الإتفاق النووي، الذي عادت الإدارة الحالية إلى الإنسحاب منه.

إنطلاقاً من ذلك، تشير مصادر في قوى الثامن من آذار، عبر "النشرة"، إلى أن كل الإحتمالات باتت مفتوحة اليوم، حيث لا يمكن التكهن بما قد تذهب إليه واشنطن في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن ترامب ليس من الأشخاص الذين يمكن توقع تصرفاتهم بسهولة، وتذكر على هذا الصعيد بالواقع القائم على الساحة السورية، حيث الموقف الأميركي غير الواضح، والذي يعود إلى الصراع القائم في مراكز القرار داخل الولايات المتحدة نفسها.

وتلفت هذه المصادر إلى أن الواضح حتى الآن هو وجود رغبة في زيادة الضغوط على "حزب الله"، على قاعدة منعه من السيطرة على المؤسسات الدستوريّة، لا سيما المجلس النيابي والحكومة، وتؤكد بأن هذه فحوى الرسالة التي نقلها ساترفيلد إلى من إلتقاهم في بيروت، لكن في المقابل لم يقدّم أي رؤية حول كيف من الممكن أن يكون ذلك، أي أن ليس لديه خطة عملية تتضمن سلسلة من الخطوات الفعلية.

من وجهة نظر المصادر نفسها، التوجه الأميركي ليس منفرداً، بل يتناغم مع آخر على مستوى بعض الدول العربيّة، التي سارعت إلى مباركة إدراج الحكومة البريطانيّة "حزب الله" على قائمة المنظمات الإرهابيّة، وذهبت أبعد من ذلك إلى دعوة الدول الأخرى إلى الإلتحاق بها، رغم وجود مواقف أوروبية مختلفة تؤكد على ضرورة الحفاظ على الإستقرار المحلي، نظراً إلى أن تداعيات أي إهتزاز لن تكون محصورة.

في الجانب المقابل، لا تخفي مصادر سياسية مطلعة، عبر "النشرة"، أن هناك ما يوحي بأن الولايات المتحدة قد تكون راغبة في تحويل لبنان إلى ساحة صراع، على الأقل من الناحية السياسيّة، أي عودة الأجواء التي كانت سائدة في الفترة التي تلت إغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، إلا أنها ترى أن الأفرقاء المحليين، لا سيما أركان قوى الرابع عشر من آذار، غير راغبين في ذلك، باستثناء بعض الشخصيّات التي باتت خارج المشهد السياسي العام، وتشير إلى أنّ هذا ما ظهر من خلال التأكيدات التي صدرت مؤخراً بأنّ "حزب الله" لا يسيطر على الحكومة أو المجلس النيابي، على قاعدة أن ليس هناك من يملك الأغلبيّة الكاملة.

وفي حين تشير هذه المصادر إلى أن ما ينطبق على لبنان ينطبق على العديد من الدول الأخرى، التي أظهرت رغبة في الإنفتاح على سوريا في الأشهر الماضية ومنها الأردن، تشدّد على أنّ المؤشرات المحليّة تؤكد أن ليس هناك من يريد العودة إلى المرحلة السابقة، حيث هناك شبه إجماع على التركيز على الملفات الإقتصادية والإجتماعية الداخلية، إلا أنها في الوقت نفسه تلفت إلى أن الساحة المحلية مؤهلة إلى عودة الإنقسامات في أيّ لحظة، وهو ما ظهر عند فتح ملفّ الحسابات الماليّة، الأمر الذي ينبغي التوقف عنده مليًّا.

في المحصلة، تعتبر المصادر نفسها أن هناك مجموعة من علامات الإستفهام التي تُطرح في المرحلة الراهنة، وتؤكد بأن أحداً لا يمكنه الإجابة عنها بشكل قاطع حالياً، إلا أنها تشدد على أن حالة عدم الوضوح تمتد لتشمل أغلب الملفات الملتهبة على مستوى العالم.