من الواضح أنّ أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله قد حدّد في خطابه الأخير بذكرى تأسيس هيئة دعم المقاومة الإسلامية، التحديات الأساسية التي تواجه المقاومة ومحورها واللبنانيين والقوى الوطنية، وهي:

أولاً: مواجهة حرب العقوبات المالية اللأميركية التي لجأت إليها الولايات المتحدة لمحاصرة المقاومة والدول الوطنية الداعمة لها والرافضة للهيمنة الأميركية.

ثانياً: محاربة الفساد والفاسدين وإنقاذ لبنان من أتون الأزمات التي بات يرزح تحت وطأتها وتهدّد بانهيار وضعه المالي والاقتصادي.

فعلى صعيد مواجهة العقوبات المالية التي بدأتها واشنطن فإنّ السيد نصرالله شخّص بدقة هذا التحدي الجديد الذي يواجه ليس فقط المقاومة في لبنان وإنما أيضاً سورية والعراق وإيران واليمن إضافة إلى المقاومة في فلسطين… فالمشروع الأميركي الصهيوني الرجعي، بعد فشله في تحقيق أهدافه بواسطة القوة العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، لجأ إلى آخر وسيلة يملكها وهي سلاح الهيمنة المالية على حركة المصارف الدولية، وتحكم واشنطن بحركة التحويلات المالية بالدولار الأميركي… وبالتالي فإنّ الإدارة الأميركية قرّرت استخدام هذه الهيمنة المالية باعتبارها الورقة الأخيرة التي تحوز عليها بعد انهيار هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، وإخفاق حروبها المتعدّدة في تعويمها… عندما تناول السيد نصرالله هذا التحدي أكد أننا سنواجه هذه الحرب الجديدة، التي تستهدف فرض حصار مالي قاسي على المقاومة، بنفس الإصرار والعزيمة التي واجهت فيها المقاومة الاحتلال والعدوان الصهيوني والإرهاب التكفيري… طبعاً هذه المواجهة تفترض خطة، وليس فقط إعلان موقف، خطة تحبط أهداف الحصار، وتمكّن المقاومة من تأمين الدعم المالي لمواصلة مهمّتها في مواجهة الاحتلال لتحرير ما تبقى من أرض محتلة وردع الاعتداءات والأطماع الصهيونية في ثروات لبنان، من نفط وغاز ومياه، وكما واجهت المقاومة كلّ أشكال الحروب الأميركية الصهيونية الرجعية، من حروب الفتنة وشيطنة المقاومة وغيرها من وسائل الحرب الناعمة، إلى جانب الحرب العسكرية، وتمكّنت من إحباط أهدافها والانتصار فيها، بالاستناد إلى دعم الشعب لها، ودول محور المقاومة، فإنها قادرة على مواجهة هذا النوع الجديد من الحرب وتحقيق النصر فيها بالاعتماد على دعم الناس الذين يشكلون الأساس في قوة المقاومة، لا سيما أنّ العالم اليوم بدأ يتغيّر وينتفض على الهيمنة المالية الأميركية، فأميركا لم تعد تلك القوة التي تأمر وتفرض ما تشاء، كما كانت منذ عقدين إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، وحتى الأمس القريب، اليوم أصبح هناك تعدّدية دولية.. دول كثيرة تمرّدت على الهيمنة وتبحث عن وسائل لكسر الهيمنة المالية، وهناك تعاون كبير بين العديد من الدول لإيجاد قنوات مالية جديدة بديلة للنظام المالي الدولي الذي يخضع للسيطرة الأميركية، كما أنّ هذه الدول، وبينها روسيا والصين وإيران وتركيا، وغيرها من الدول، بدأت تجري مبادلاتها التجارية بالعملات الوطنية، وتقوم بتقليص احتياطتها بالدولار لصالح سلة من العملات الأجنبية…

أما على صعيد مواجهة تحدي محاربة الفساد فإنه وضع في سلم الأولويات، وكلام السيد نصرالله شكل دليلاً قوياً على أنّ هناك جدية حقيقية لدى حزب الله في خوض هذه المعركة، وبدّد كلّ الشكوك من أنّ حزب الله طرح الأمر رفعاً للعتب، والقول إنه قام بما عليه، وإذا واجه عقبات وصعوبات من قبل المتضرّرين من محاربة الفساد والفاسدين، فإنه سيضطر إلى الدخول في تسويات مع أطراف الطبقة السياسية… وجاء ردّ السيد على مثل هذه الشكوك حول جدية الحزب، حازما قاطعاً الشك باليقين بالتأكيد أنه لن تكون هناك مساومة أو أيّ تسويات في ملف محاربة الفساد والفاسدين، وانّ من يساوم في ذلك فهو منافق حتى ولو كان حزب الله، وهذا مؤشر كبير بالغ الدلالة على أنّ قيادة حزب الله قد اتخذت قراراً استراتيجياً، وليس تكتيكياً، يقضي بالذهاب إلى النهاية في خوض هذه المعركة واعتبارها معركة مقدّسة مماثلة في قدسيتها لمقاومة الاحتلال، وكما قاومت المقاومة الاحتلال الصهيوني بعزم وإصرار وبدون هوادة أو مساومة أو تردّد، ستخوض معركة محاربة الفساد والفاسدين وتحقق الانتصار فيها، حتى ولو كانت هناك عقبات ومصاعب في الطريق، فإنها لن تحول دون ذلك، وقد عدّد السيد هذه العقبات، كما عدّد الصعاب التي واجهت المقاومة منذ بدايتها وتمكنت من تخطيها والتغلب عليها وتحقيق الانتصار تلو الانتصار… وبالتالي هذا مؤشر قوي على وجود إرادة وتصميم على خوض هذه المعركة وصولاً إلى تحقيق الأهداف المرجوة منها، ألا وهي حماية المال العام من السرقة أو الهدر والإنفاق غير المجدي واسترداد ما اختلس من أموال، ومحاسبة الفاسدين.. على أنّ محاربة الفساد والفاسدين تحتاج إلى نفس طويل لأنها معركة ليست سهلة لا سيما وانها تندرج أيضاً في سياق مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية والخدماتية والاجتماعية التي يعاني منها اللبنانيون والتي لم يعد بالإمكان إدارة الظهر لها، لأنّ لبنان بات على شفير الانهيار إذا لم يتمّ العمل على التصدي لها بقوة وحزم للنهج الاقتصادي الليبرالي الريعي الذي أشاع الفساد وتسبّب بهذه الأزمات… وهذا يتطلب بالضرورة تغيير هذا النهج الريعي الذي همّش القطاعات الإنتاجية وأدّى إلى إغراق البلاد بالديون وفوائدها المرهقة للاقتصاد والمجتمع، فالفساد ليس فقط هو جزء من منظومة اقتصادية وسياسية واجتماعية ناتجة عن تطبيق السياسات النيوليبرالية التي تمّ انتهاجها في لبنان في أوائل التسعينات من القرن الماضي، وإنما هو أيضاً جزء من منظومة رأسمالية غربية أرادت من فرض هذه السياسات الريعية الليبرالية أحكام سيطرتها على الدول من الداخل عبر الاقتصاد والاجتماع والثقافة والإعلام، مما أدّى إلى ربطها بعجلة التبعية بالمركز الرأسمالي…

من هنا فإنّ المعركة ضدّ الفساد إنما هي معركة وطنية وجزء لا يتجزأ من المعركة ضدّ العقوبات المالية التي هي شكل فاضح من أشكال الوصاية الأميركية على لبنان التي تستهدف المقاومة، وهي أيضاً معركة مرتبطة كذلك بالمعركة لتغيير السياسات الليبرالية الريعية التي أنتجت وأشاعت الفساد وجعلت لبنان يخضع للوصاية المالية الأميركية، وفي هذه المعركة مطلوب أن تنخرط فيها كلّ القوى والهيئات النقابية والاجتماعية والقطاعات الإنتاجية صاحبة المصلحة في إحداث تغيير جذري في هذه السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تسبّبت بالأزمات وأفقرت لبنان واللبنانيين.. إنها معركة وطنية عابرة للطوائف والمذاهب…