في العام 2005 اجتمع رئيس وزراء لبنان السابق سليم الحص مع عدد من خبراء مكافحة الفساد والهدر الحاصل في الوطن العربي للبحث عن السبل الآيلة إلى كبحه.

تقدم الرئيس الحص باقتراح إنشاء منظمة مرتبطة بالأمم المتحدة تعنى بمكافحة الفساد والرشوة سميت بالمنظمة العربية لمكافحة الفساد.

وبالفعل تم تأمين اللازم وعلى الأثر بوشر بالإجراءات القانونية اللازمة وبسرعة قياسية لا تتعدى أياماً معدودة كانت المفاجأة صدور مرسوم قبول طلب إنشاء المنظمة ومزاولة عملها فوراً.

تولى الرئيس الحص مركز رئيس مجلس الإدارة ورئيس مجلس الأمناء بالمنظمة، وفي أول اجتماع لمجلس الأمناء وفور التئام المجلس بادر الحضور بسؤال الرئيس الحص عن سر سرعة اكتمال إنشاء المنظمة العربية لمكافحة الفساد والرشوة وصدور المرسوم المتعلق بالمنظمة والحصول على الموافقة بربطها بالأمم المتحدة بسرعة قياسية رغم تعقيد السلطات البيروقراطية.

الرئيس الحص وعلى سبيل الفكاهة وبسرعة بداهته جاوب الحضور «قمنا برشوتهم»، ضحك الأمناء وضحك الرئيس سليم الحص قائلاً: تخيلوا حالنا حين تغدو مكافحة الفساد بحاجة إلى رشوة.

لقد بات الفساد ثقافة تعم الوطن العربي حتى إن معالجته ومحاسبة المسؤولين عنه لا ترتكز إلى أسس البحث عن مسببات الفساد أو العمل على سد الثغرات واعتماد السبل الناجعة لمكافحته من خلال تحديث القوانين والتشدد بمراقبة تطبيقها مراقبة لصيقة وبطرق قانونية سليمة تؤدي إلى الحد من آفة الفساد، بيد أن ما شهدته المملكة العربية السعودية بما عرف بأزمة الريتز والطرق التي اتبعت لتسوية أوضاع من ثبت تورطهم بسرقة المال العام، دليل واضح على اعتماد مبدأ الرشوة ودفع المبالغ الضخمة التي بلغت أكثر من مئة مليار ريال ذهبت لجيب فاسد أكبر من حساب المفسد الأصغر، وذلك بحجة إنهاء ملفات بعض كبار المسؤولين بطرق ملتوية بعد اعتقال طال كبار المسؤولين بتهمة الفساد وسرقة أموال الدولة السعودية.

لا غلو بالقول: إن الفساد في وطننا العربي أضحى عبارة عن ثقافة مسيطرة على مفاهيم معظم المسؤولين في ممارسة مسؤولياتهم عن سابق تصور وتصميم وخصوصاً بعدما صارت القناعة السائدة لدى أولئك الذين تبؤوا مناصب رفيعة بأن ممارسة الفساد أو أقله المشاركة به والسكوت عنه باتا من الضروريات المطلوبة لفتح أبواب جنة الحكم للاحتماء بحصانة المركز الرسمي الذي يمنح من السلطة أو من خلال الاحتماء بالطائفة التي ينتمي إليها المسؤول، ومن خلالها تمارس أبشع أنواع الفساد بغياب الضمير أو بتغييبه عمداً بإجازة قسرية من دون أي مراقبة أو محاسبة.

الفساد في وطننا العربي لا يقتصر على معان بسيطة تختصر بالسرقة وتقبل الرشوة أو سوء الأمانة أو حالة من التسيّب تسود الإدارة، بيد أن الفساد الحقيقي هو فساد في الانتماء الوطني، ما يعني فساد الضمير والفكر والتربية ويسمح للفاسد بالسعي لنشر ثقافة الإفساد باتباع الطرق الملتوية اللا أخلاقية وإهدار حقوق الناس والدوس على كراماتهم من دون وازع ولا رادع، ما يسمح لهؤلاء الفاسدين ممارسة أفعال شائنة مشابهة إلى حد التطابق مع أفعال المافيا فور مواجهة أي خطر يهدد بوقف مصالح الفاسدين.

إن تراجع النمو الاقتصادي والتخلف الحاصل بالعلم والتكنولوحيا وتطور نشر المعلومات والأبحاث في وطننا العربي سببه الفساد المتبع، حيث لا تستثمر الأموال العربية لضمان التقدم التكنولوجي العلمي أو في البحوث الطبية وبناء المجمعات البحثية ومراكز الدراسات التي تسهم في وضع إستراتيجية التقدم العلمي والتقني للأجيال العربية، بل على الأرجح تتم سرقتها لمصلحة جيوب ومصالح المتنفذين والمسؤولين فقط.

لم يعد مستغرباً حين نسمع بأن تلميذاً متفوقاً سدت أمامه أبواب النجاح والتقدم في وطننا العربي، كما أننا لم نعد نفاجأ بأن التلميذ هو نفسه أصبح من أبرز المخترعين أو الباحثين في مجالات عدة أو من أشهر الأطباء، لكن ليس في وطننا العربي إنما في بلاد الغرب حيث الفرص المتاحة أمام المتفوقين وحيث يعمد الغرب إلى فتح أبوابه لاستثمار عقول شبابنا العربي المتفوق وذلك ليس لخدمة الوطن العربي إنما لخدمة الغرب وضمان تفوقه علينا نحن العرب.

من ناقل القول إن أجيالنا وشبابنا العربي أصابها اليأس وفقدان الأمل بمستقبل واعد بسبب الفساد المستشري في أروقة الدول العربية، حيث بات قرار التقدم في بلادنا العربية مرتبط بموافقة أميركية أو غربية تعمد إلى إفقار شعبنا ونهب ثروات بلادنا وإبقاء أجيالنا في حال الاضطراب الذهني والنفسي والثقافي، من خلال إلهائها بحروب مذهبية وطائفية وعرقية تمتد لمئات السنين من دون أي طائل منها سوى خسارة مقدراتنا وثرواتنا العربية وبعقلية عربية رجعية قبلية بحتة.

تكالبت منظومة الفساد لتقف نداً ضد محاولات الإصلاح تماماً كما حصل في لبنان بين العام 1998 -2000 إبان عهد الرئيس اللبناني السابق أميل لحود وحكومة الرئيس الحص بعدما عمدت تلك المنظومة إلى وضع العراقيل بوجه عملية الإصلاح في لبنان وذلك بعدما تم إفساد كل الخطط الهادفة إلى مكافحة الفساد، بل إنه وعن سابق إصرار وتصميم تم تعميم ثقافة الفساد من خلال تعطيل مرافق الدولة وذلك لضمان مصالح الفاسدين والمفسدين.

إن ثقافة الفساد والهدر المتبع في وطننا العربي بلغت مستويات مخيفة لا تهدد مستقبل أجيالنا فحسب بل أضحت تهدد مستقبل وحدة وطننا ومجتمعنا العربي.

إن هدر الأموال العربية بحجة التسلح وشراء الأسلحة الحديثة بلغت تريليونات من الدولارات، ولو أن تلك التريليونات صرفت واستثمرت بمراكز بحوث علمية متقدمة لضمان استثمار عقول أجيالنا المنتجة وضمان التقدم العلمي والصناعي والإلكتروني بدلاً من شراء أسلحة لإدارة حروب عربية عربية لا طائل منها سوى استمرار ابتزازنا وإفقارنا وإنهاك خزينتنا ونهب ثرواتنا، لكنا نحن العرب أمة يحسب لها في وقت تزدهر فيه البنوك الأميركية ومصانع الأسلحة فيها بأموال عربية الأمر الذي يضمن لهم التفوق الدائم فيما نحن العرب نضمن التخلف الدائم.

مما لا شك فيه أن الفساد لا يجد مساحاته الواسعة إلا في الحروب تماماً كما هو الوضع في وطننا العربي حيث الحروب العبثية تتلاطم في وطننا العربي ويكثر الفساد، فهناك المستثمر بالحرب وهناك من ينتهز فرصة نشوب الحرب وغياب المحاسبة بهدف ممارسة الفساد من أوسع أبوابه.

إن من يدعي صعوبة مكافحة الفساد في ظل الحرب فهو مخطئ لأن الفساد يطيل أمد الحرب على الوطن ومع مرور الوقت يصعب علينا السيطرة عليه أو مكافحته.

إن الانتصار بالحرب العسكرية أمر هين أمام إمكانية الانتصار على حرب الفساد والمفسدين.

أولوية الانتصار على المؤامرة تكمن في قطع دابر آفة الفساد والقضاء على آلياته وأساليبه والعمل الدؤوب على سد الثغرات التي تسمح للفاسدين تنفيذ مآربهم، والتشدد بمبدأ محاسبة المسؤولين مهما علا شأنهم. هؤلاء الفاسدون باعوا الانتماء الوطني والضمير الإنساني وتاجروا بالبشر والحجر منتهزين فترة نشوب حرب مكافحة الإرهاب الشرسة وذلك على حساب المواطن الصامد الصابر المؤمن بوطنه.

إن محاسبة الفاسدين خلال الحرب وبعدها تحتل أولوية ضامنة للانتصار لأنها واجب وطني وإنساني وأخلاقي بامتياز، وبغياب المحاسبة يغيب الانتصار مهما كان عظيماً.

لذلك يجب الإصرار على محاسبة الفاسدين صوناً للانتصار وحفاظاً على بقاء الانتماء صافياً للوطن وللمجتمع وتقدم الإنسان فيه.