لم ينتظر رئيس الحكومة سعد الحريري 24 ساعة بعد إعلان المجلس الدستوري إبطال نيابة عضو كتلة "المستقبل" عن مدينة طرابلس ديما جمالي، قبل أن يُعلن إعادة ترشيحها من جديد، واضعاً حداً لتكهّناتٍ لم تصمد طويلاً عن إمكان ترشيح أحد "صقور" تيّاره في عاصمة الشمال للمقعد خلفاً لها.

بالنسبة إلى كثيرين، فإنّ هذا الموقف سُجّل للحريري وليس ضدّه، بوصفه "مبدئياً"، خصوصاً بعدما اعتبر أنّ قرار المجلس الدستوري استهدفه بصورة مباشرة، وشكّل ما وصفته كتلة "المستقبل" يومها بـ"الغدر السياسيّ"، ما دفعه إلى اتخاذ القرار بإعادة جمالي إلى الندوة البرلمانية بضربة صناديق الاقتراع القاضية.

لم يكن القرار صعباً، باعتبار أنّ النظام الأكثري يجعل الحريري مرتاحاً لوضعه، إلا أنّ ما لم يتوقّعه الرجل أن تتحوّل المعركة إلى "مستقبلية - مستقبلية"، حيث تؤشّر المعطيات المتوافرة إلى أنّ المعركة ستدور بين مرشحين يدورون في فلك "تيار المستقبل"، أو كانوا يشكّلون يوماً "عصبه"، وشرطهم شبه الوحيد لـ "التفاوض" مع الحريري، أن يتخلى عن مرشحته المعلنة إلى المقعد!.

المعركة "حُسِمت"

مع أنّ "سُنّة 8 آذار" الذين كانوا السبب في إبطال نيابة ديما جمالي بعد الطعن بفوزها في انتخابات أيار 2018، لم يحسموا موقفهم من خوض الانتخابات الفرعيّة من عدمه، يبدو أنّ المعركة الانتخابيّة الفرعيّة قد حُسِمت، واستُبعِد خيار "التزكية"، مع إعلان العديد من المرشّحين المفترضين اتجاههم إلى تقديم ترشيحهم رسمياً ضمن المهل القانونية.

وإذا كان "تيار المستقبل" تسرّع بإعلان معركته ضدّ "حزب الله"، في إطار شدّ العصب الانتخابيّ كما يقول البعض، فإنّ المفارقة تتمثَّل في أنّ المرشحين الجديين المُعلَنين يمكن اعتبارهم من فلك "تيار المستقبل" أكثر بكثير من "حزب الله"، وفي مقدّمهم الوزير السابق أشرف ريفي، الذي وإن خرج من عباءة "المستقبل"، إلا أنّه لا شكّ يزايد على التيار "الأزرق" في مواجهة "حزب الله"، بل يتّهم الحريري بالانخراط في مشروع الأخير بشكلٍ أو بآخر.

وإذا كان ريفي الذي تشير كلّ المعطيات إلى أنّه حسم موقفه لناحية الترشح، على أن يعلنه في توقيتٍ "رمزيّ" بالغ الدلالة بالنسبة إليه هو الرابع عشر من آذار، يُعتبَر "منافساً قوياً" لمرشحة "المستقبل"، باعتبار أنّ ظروف المعركة اليوم مختلفة عن ظروف الانتخابات الأخيرة التي مني فيها بهزيمة قوية، فإنّ مرشحاً آخر من رحم "المستقبل" أعلن خوضه المعركة بدوره، وهو الشاب سامر كبّارة، ابن شقيق النائب محمد كبارة، وقريب النائب سمير الجسر، علماً أنّ النائب كبارة سبق أن أبدى رغبة في "توريث" مقعده لنجله كريم كبارة، ما يطرح تساؤلات عمّا إذا كان ترشيح سامر كبارة بمثابة "رسالة اعتراضية"، ولو نفى الأخير أيّ بُعد "عائلي" للمسألة.

ولعلّ اللافت للانتباه وسط كلّ هذه الترشيحات، يبقى أنّ المرشحيْن شبه المعلنيْن حتى الساعة، مع اختلاف دوافع كلّ منهما وأهدافه من النزال الانتخابي، ينطلقان من رفض إعادة ترشيح "المستقبل" لجمالي إلى المقعد، على الرغم من أنّها لا تملك الثقل ولا الشعبية المطلوبيْن لخوض المعركة الفرعيّة، باعتبار أنّها لا يمكن أن تتّكئ على قوة آخرين على لائحتها، كما حصل في انتخابات أيّار. وفيما تنشط الاتصالات في محاولة للوصول إلى "حلّ وسط" يحدّ من عبء معركة "لا لزوم لها"، من شأنها تضييع "البوصلة"، يبدو أنّ شرط ريفي وكبارة الأول والأخير يتمثل بتخلّي الحريري عن جمالي، "التي لا تمثّل المدينة"، على حدّ ما يكرّران.

ماذا عن "8 آذار"؟!

وإذا كان كبّارة يرغب في "تسجيل موقف اعتراضي" على "التسرّع" بإعادة ترشيح جمالي، ممهّداً بذلك حسب ما يقول البعض إلى بناء "حيثيّة" له يريد توظيفها في القادم من الأيام، فيما يطمح ريفي إلى "استنساخ" سيناريو الانتخابات البلديّة الأخيرة، والخروج بانتصارٍ مؤزّر، من حيث لا يحتسب أحد، فإنّ علامات استفهام تُطرح حول موقف قوى "8 آذار" من الملفّ، خصوصاً أنّ مرشحها السابق والطاعن بنيابة جمالي طه ناجي، لا يزال "متريّثاً" في حسم قراره.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أنّ الاتجاه كان قبل أيام قليلة، لعدم خوض "8 آذار" الاستحقاق الفرعيّ في طرابلس، احتجاجاً على ما تعتبره "ظلماً" لحق بمرشّحها في قرار المجلس الدستوريّ الأخير، وفي الوقت نفسه، تفادياً لمنح "تيار المستقبل" انتصاراً تصفه بـ"المجاني والوهمي"، بفضل النظام الأكثري المُعتمَد، خصوصاً أنّ التيار "الأزرق" باشر عمليّة "الاستثمار الانتخابيّ" منذ لحظة صدور قرار المجلس الدستوري، وهو ما يفسّر التصويب الذي لم يبدُ مقنعاً، على المجلس، من باب "الغدر" و"الطعن" وما شابه، فضلاً عن كونه اخترع معركة مع "حزب الله"، من دون أن يكون الأخير موجوداً فيها أصلاً.

إلا أنّ اتجاهاً آخر بدأ بالبروز داخل "8 آذار" في الساعات القليلة الماضية، انطلاقاً من أنّ حظوظ مرشح "8 آذار" قد ترتفع في ضوء النزال "المستقبليّ" الحاصل، بين أبناء البيت الواحد، ما سيؤدّي إلى انقسام الأصوات على بعضها، علماً أنّ تحالف "المستقبل" مع رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي لا يبدو كافياً للنوم على حرير، باعتبار أنّ الأخير لا يبدو متحمّساً للغاية لتوظيف كامل طاقته في استحقاقٍ لا ناقة له فيه ولا جمل، كما أنّ تسريباتٍ تحدّثت عن وساطاتٍ بين الحريري وريفي، ليس ميقاتي ببعيدٍ عنها، قوامها استبدال رئيس الحكومة مرشحته.

وفي سياقٍ غير بعيد، أثار اللقاء الذي جمع اللواء ريفي والنائب فيصل كرامي في عطلة نهاية الأسبوع العديد من التساؤلات في المجتمع الطرابلسيّ، في ظلّ توجّس عمّا إذا كان مفهوم "التحالفات الانتخابيّة" البعيدة عن المنطق السياسي، بصدد العودة إلى البازار السيّاسي من جديد. وفي وقتٍ حرص المعنيّون على وضع اللقاء في خانة "اجتماعية" ليس إلا، ومن باب "ردّ الزيارة"، إلا أنّه، معطوفاً على اتجاه ريفي لإعلان ترشحه، أثار "إرباكاً" في صفوف "المستقبل"، علماً أنّ لقاءً آخر لا يقلّ عنه أهمية ولا رمزية سبقه، وهو الذي جمع ريفي برئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، ولو لم يحظَ بالاهتمام الإعلاميّ نفسه.

"تضحية شخصيّة"؟!

تشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ الانتخابات الفرعيّة في طرابلس لن تكون "نزهة" لأحد، بخلاف ما ظنّ كثيرون للوهلة الأولى، وإن كانت "هويّة" المعركة لا تزال غامضة، بانتظار تبلور ملامحها النهائية في الأيام القليلة المقبلة.

وإذا كان النظام الأكثري يميل لصالح "تيار المستقبل" على حساب الأفرقاء الآخرين، خصوصاً في ضوء تحالفه مع ميقاتي والوزير السابق محمد الصفدي، وبعدما تجاوز العديد من "المطبّات"، فإنّ ردود الفعل على إعادة ترشيح جمالي من شأنها قلب الصورة رأساً على عقب.

وفي وقتٍ يُستبعَد أن يتخلى الحريري عن مرشحته، إلا إذا وُجِد إخراجٌ ما، على طريقة "تضحية شخصية" من الأخيرة، تبقى "المفاجآت" أكثر من واردة، وتجربة الانتخابات البلدية الأخيرة لا تزال ماثلة في الأذهان...