حين القينا الضوء على كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وتشديده على موضوع محاربة الفساد بشراسة وقوة، واعتبار ان هذه المسألة دليل على عدم قلق الحزب من اندلاع حرب وشيكة مع اسرائيل على الحدود، اتى المسؤول الاممي جان بيار لاكروا ليؤكد هذا التوجه، حيث اعلن استمرار العمل مع السلطات اللبنانية على ابقاء التهدئة قائمة في الجنوب "رغم بعض المشاكل العالقة". بكلام آخر، استبعد لاكروا حصول اي حرب جديدة على الحدود الجنوبية، ما يعني ان كل التهويل الذي دار سابقاً ويدور منذ فترة حول لجوء رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الى فتح جبهة عسكريّة مع لبنان للخروج من مأزقه الداخلي، اثبت انه غير حاسم وقد يكون غير جدّي.

هذا الامر يفتح الباب امام صراع مع اسرائيل انما من نوع آخر، صراع على ترسيم الحدود البريّة والبحريّة وهو امر بالغ الاهميّة في ظلّ ما تختزنه الارض اللبنانية من مياه، والحدود البحريّة اللبنانية من غاز ونفط. ولربما تأخذ هذه الحرب منحى آخر، في ظل ممارسة ضغوط على لبنان كي يخفف من مطالبه والتمسك بحقوقه، وهي اساليب لا تقل خطورة عن العمل العسكري، وتتعلق بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والمالية لهذا البلد الصغير الذي يعاني كي ينهض من جديد، وينفض عنه غبار الاعباء الكبيرة للنازحين والديون. ولا يمكن اغفال حقيقة مفادها ان التواجد الروسي على الحدود السوريّة، ارسى واقعاً جديداً في مسألة الصراع في المنطقة، وتحديداً مع اسرائيل، بحيث لم يعد لها حرية التحرك العسكري كما كان يحصل سابقاً، الا بالتنسيق مع الروس كونهم باتوا حاضرين ميدانياً، وليس هناك حالياً من مصلحة في الحصول على موافقة دولية وبالتحديد روسيّة لشن حرب جديدة تهدّد بإشعال المنطقة وتغيير صورة كلّفت موسكو الكثير من الوقت والاموال والثقل العسكري.

وكانت المؤشرات واضحة لجهة عدم حماس أي طرف في القيام بخطوة لبدء مغامرة عسكريّة غير محسوبة النتائج، بدءاً من اكتشاف الانفاق المحفورة، مروراً بالقصف الاسرائيلي لمواقع تابعة لايران وحزب الله في سوريا، وصولاً الى بناء جدار فصل على الحدود اللبنانية. فكل موضوع من هذه المواضيع كفيل بإعطاء الذريعة الكافية للقيام بتحركات عسكريّة تصاعديّة، ولكن الضغوط الدوليّة كانت قادرة على لجم أيّ اندفاع في غير محله للمعنيين من مختلف الاطراف، فحلّت التهدئة ضيفاً شبه دائم على هذه الحدود.

وفيما يبدو ان الموضوع الرئيسي الذي سيطرحه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على المسؤولين الروس خلال الزيارة المرتقبة له الى موسكو اواخر الشهر الحالي، هو مسألة النازحين السوريين وكيفية اعادتهم، لن يكون من المستغرب ان يتم طرح موضوع الحدود و"الجار الاسرائيلي الثقيل" وكيفية الحفاظ على التهدئة رغم بروز صعوبات ومشاكل صعبة نسبياً، وقد يبادر الجانب الروسي الى مفاتحة عون والوفد المرافق بهذه المسألة واسماعهم وجهة النظر الروسيّة التي لا تضرّ الموقف اللبناني، ولو انها لا تعطيه افضليّة على الموقف الاسرائيلي كي تحافظ موسكو على مسافة واحدة من الطرفين.

قد تكون هذه الفترة من المحطات الزمنيّة القليلة في الآونة الاخيرة التي لن تشهد "بشرى" اعلاميّة محليّة او اقليميّة او دوليّة بخوف وقلق من اندلاع مواجهات عسكريّة شديدة على الحدود الجنوبيّة للبنان، وهو امر على لبنان استغلاله بأفضل السبل لتحصين نفسه من اشكال اخرى لحروب قد تُشنّ عليه، والتحضير بجدية لمواكبة المرحلة المقبلة على الصعد الاقتصاديّة والماليّة، علّه بذلك ينجح في كتابة صفحة جديدة من مستقبله تكون بعيدة عن العنف والحروب والتقاتل، وتعيد اليه رونقه ودوره على الساحة.