لا أهميّة إطلاقًا للجدل الذي قام داخليًا بالنسبة إلى عداد الوفد المُرافق لرئيس ​الحكومة​ ​سعد الحريري​ إلى مؤتمر ​بروكسيل​ بنسخته الثالثة، لأنّ هويّات وأعضاء الوفد لا تُغيّر في الواقع القائم، لجهة الإنقسام ال​لبنان​ي الخطير بالنسبة إلى أفضل طريقة لمُعالجة ملفّ النازحين من جهة، ولجهة المُماطلة الواضحة في التعاطي الدَولي إزاء هذا الملفّ وربطه بمسألة الحلّ النهائي للحرب السُوريّة، والتباطؤ في تأمين المُساعدات الماديّة للدول المُضيفة. فهل من أمل بحلّ قريب لملفّ ​اللاجئين​ السوريّين في لبنان خلال النسخة الثالثة من مؤتمر بروكسيل الذي ينعقد تحت عنوان "دعم مُستقبل ​سوريا​"؟.
بحسب المعلومات المُتوفّرة، إنّ رئيس الحكومة يعتزم في كلمته في العاصمة البلجيكيّة مُطالبة الدُول والجهات الفاعلة المُشاركة في مؤتمر بروكسيل الوفاء بوعودها السابقة، لجهة تسديد كامل المُساعدات الماليّة إلى لبنان لعام 2018، وكذلك التشديد على ضرورة رفع قيمة هذه المُساعدات، للتعويض عن الخسائر الكبيرة التي مُني بها لبنان بفعل ​النزوح​ السُوري، حيث عجزت البُنى التحتيّة الحاليّة عن توفير المُتطلّبات الحياتيّة الأساسيّة للبنانيّين، خاصة في المناطق التي تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين، ما يستوجب تطوير هذه البنى التحتيّة ومُساعدة المُجتمعات المُضيفة على مُختلف الصعد. وعلى الرغم من أنّ الحريري–ودائمًا بحسب المعلومات المُتوفّرة، ينوي تجديد مُطالبة المُجتمع الدَولي بتأمين العودة الكريمة والآمنة للسوريّين المتواجدين في لبنان، وهو سيُرفق مُطالبته هذه بخطّة طريق لبدء إعادتهم، فإنّه من غير المُمكن تطبيق أي إستراتيجيّة شاملة وواضحة في هذا المجال، ما لم تترافق مع خطّة ميدانيّة ومُباشرة من جانب ​الأمم المتحدة​، بالتنسيق مع الجانب السُوري. وبالتالي، طالما أنّ "​الضوء​ الأخضر" الدَولي لإعادة النازحين لم يصدر بعد عن دُول القرار، وطالما أنّ الموقف اللبناني مُنقسم إزاء التنسيق مع النظام السُوري في ما خصّ ملفّ النازحين، فإنّ الآمال مُتواضعة جدًا بالنسبة إلى ما يُمكن أن يصدر من قرارات في نهاية مؤتمر "بروكسيل 3"، حيث أقصى التمنيّات تتمحور حول تأمين المزيد من الدعم المالي للبنان، ليبقى قادرًا على تحملّ عبء النازحين مرحليًا، مع العلم أنّ هذا الدعم له إنعكاسات سلبيّة على مُستوى تشجيع السوريين بالبقاء في لبنان، للإستفادة من كل المُساعدات والتأمينات والخدمات التي يحظون بها، برعاية أمميّة. ومن بين الضُغوط التي يتعرّض لها لبنان في ملفّ النازحين، مُحاولة أكثر من جهة خارجيّة من الدُول المانحة، ربط المُساعدات التي يحظى بها لبنان بمسألة إستمرار إستضافته لهؤلاء على أرضه، إلى درجة أنّ بعض الجهّات بدأت تُلمّح إلى ربط تنفيذ قرارات مؤتمر "سيدر" بالموقف اللبناني إزاء الإستمرار في إستضافة النازحين على الأراضي اللبنانيّة، في إنتظار الحلّ الشامل لهذا الملفّ!.
إشارة إلى أنّ مُرافقة كل من وزير التربية أكرم شهيّب، ووزير الشؤون الإجتماعيّة ​ريشار قيومجيان​، لرئيس الحكومة تأتي إنطلاقًا من دور وزارة التربيّة الكبير في تعليم الأطفال والأولاد السوريّين النازحين، ومن دور وزارة الشؤون الإجتماعيّة في تلبية حاجاتهم الحياتيّة المُختلفة. وقد جاءت عدم مُشاركة وزير الخارجية والمُغتربين ​جبران باسيل​، لأكثر من سبب، من بينها إرتباطه بإستحقاقات أخرى داخليّة، لتُضيء على حجم التباين اللبناني الرسمي إزاء ملفّ هؤلاء، قبل أن يأتي الحديث عن الخشية من أن يسمع مُمثّلو المُجتمع الدَولي خطابين لبنانيّين مُختلفين في بروكسيل، في ما لوّ شارك وزير شؤون النازحين ​صالح الغريب​ في فعاليّة المؤتمر، ليصبّ الزيت على نار هذا الإنقسام. أكثر من ذلك، إنّ الزيارة الرسميّة المُنتظرة ل​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ إلى ​روسيا​ نهاية الشهر الحالي ستُركّز في جانب أساسي منها على موضوع النازحين، وعلى سُبل قيام ​موسكو​ بمُساعدة ​بيروت​ في حلّ هذا الملف، لما لها من ثقل ميداني ومعنوي في دمشق، وعلى المُستويين الإقليمي والدَولي أيضًا. وعلى الرغم من أهميّة هذه الزيارة، فُإنّ الجهات التي تُعارض سعي لبنان لحلّ ملفّ النزوح خارج الإجماع العربي والدَولي، ترى فيها تحدّيًا غير مُجدٍ لقرارات المُجتمع الدَولي، وإتجاهًا لتطبيع مجاني مع النظام السُوري، من دون أن يكون هناك أيّ خطوات ميدانيّة عمليّة لحلّ المسألة، لأنّ القرار في مكان آخر، ولأنّ القُدرة على تمويل العودة في مكان آخر أيضًا!.
في الختام، لا بُد من التذكير أنّ بروكسيل إستضافت مؤتمرين سابقين بشأن سوريا والنازحين، من دون أن ينجح المُجتمع الدَولي في حلّ مسألة وُجود أكثر من 5 ملايين نازح سُوري موزّعين على كل من لبنان و​الأردن​ و​تركيا​ وبعض الدول الأخرى، الأمر الذي يُلقي بظلال من التشاؤم على إمكان أن يكون المؤتمر بنسخته الثالثة إستثناء، في ظلّ عدم تغيّر المُعطيات المُرافقة لهذا الملفّ. لكن لا مجال أمام لبنان سوى تكرار مُحاولاته، وفي أكثر من إتجاه، لأنّ السعي لحلّ ملفّ النازحين–وبغضّ النظر عن النتائج المُتوقّعة أكانت إيجابيّة أم سلبيّة ومُخيّبة، يبقى أفضل بكثير من عدم القيام بأي خُطوة في هذا الإتجاه، أقلّه لإبقاء الضوء مُسلّطًا على هذه القضيّة التي من شأنها أن تُدمّر ديمغرافيّة لبنان وتوازناته الطائفيّة والمذهبيّة الهشّة، وربّما إستقراره الداخلي أيضًا، في حال طالت لسنوات إضافيّة.