لم يعد الإقليم أولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة الأميركية. لا يعني الأمر إنسحاب واشنطن كلّياً الآن من المشهد الشرق أوسطي. هي تسعى الى بقاء نفوذها، رغم توجهها للإهتمام بساحات دولية أكثر أهمية في بحر الصين، وأميركا الجنوبية وأفريقيا حيث المناجم والثروات النفطية والطبيعية. يساهم في تفلّت الإقليم من السطوة الأميركية تمددّ روسي سريع، فلم يعد اهتمام موسكو فقط بالساحة السورية، بل انطلق الروس من انجازاتهم في سوريا ضد الإرهاب، لثبيت نفوذهم في الشرق الأوسط. اللافت هنا هو تعاطي دول عربية وإقليمية بإيجابية مطلقة مع روسيا، فماذا في المؤشرات المهمة؟

اولاً: حقق الروس والسعوديون تقدماً ملموساً في المحادثات بين موسكو والرياض، لتحقيق تعاون إقتصادي-سياسي، بدءاً من الملف السوري، مرورا بتزويد الروس للمملكة العربية السعودية بدفاعات عسكرية، وصولا الى بناء محطة نووية لإنتاج الطاقة في السعودية.

ثانيا: لم يقتصر التعاون في الخليج على الروس والسعوديين، بل طال دولا خليجية زارها وزير الخارجية سيرغي لافروف، وفي طليعتها الامارات، ثم الكويت وقطر.

ثالثا: أنجزت الدوحة اتفاقاً مع موسكو بشأن صواريخ "أس٤٠٠"، رغم معارضة الأميركيين للخطوة.

رابعا: تقدم نوعي بالتفاهم بين الروس والأتراك يوحي بنقل أنقره البارودة من الكتف الأميركي الى كتف روسي، واستبدال متدرّج لصواريخ باتريوت بمنظومة "اس ٤٠٠" الروسية.

خامسا: لم يعد الاعتماد الاسرائيلي على الولايات المتحدة الأميركية، بل صبّت تل أبيب كل جهودها للحصول على ضمانة روسية بشأن أمن إسرائيل.

سادسا: ترتبط روسيا بعلاقات وثيقة مع الإيرانيين معززة بمشاريع وتعاون في قطاعات اقتصادية، وخصوصاً النفط والغاز.

سابعا: يعرف المتخاصمون والأعداء في الشرق الأوسط أن روسيا وحدها قادرة على الحصول على ثقة التناقضات. فهي تتمتع بعلاقات مع كل الدول، وقادرة على لعب دور الوساطة بين الجميع.

الواضح ان الدول الخليجية صارت تسوّق لتعاون مشترك مع الاتحاد الروسي، على كل صعيد، ولا تأبه للعتب او الغضب الأميركي. سبقتها تركيا التي باتت علاقاتها متوترة مع واشنطن، بينما تتحسّن علاقتها مع روسيا بسرعة لافتة.

واذا كان الروس عقدوا اتفاقا مع لبنان حول مرفأ للنفط في طرابلس تديره شركة "روس نفط"، رغم اعتراض الأميركيين، لم يبق في المنطقة الاّ العراق، وهو المساحة الأكثر غنى بالثروات والاستثمارات، خارج نفوذ الروس، علما ان مصلحة موسكو تقضي بدخول إقتصادي-سياسي الى العراق، لدفع النفوذ الأميركي فيه الى الخروج من البلد. فالعراقيون توّاقون لإنحسار الدور الأميركي، وهو ما رصدته إيران التي يزور رئيسها الشيخ حسن روحاني الجمهورية العراقية، لتقوية العلاقات بين البلدين وتنشيط التعاون.

واذا كان الارباك السياسي قد ثبّت نفسه عراقيا في السنوات الماضية، فإن الدور الروسي كفيل بالمساهمة في دفع العراق نحو مزيد من التوافق، بعكس الأميركيين الذين ساهموا بصناعة الفوضى والارباك.

يستفيد البلدان من تعاون نفطي، لتصبح روسيا قادرة على الاستثمار في كل الدول العربية، نتيجة ثباتها في سوريا، وصناعة إستثماراتها في لبنان، وحاجة الاسرائيليين لدور روسي، ومصلحة الإيرانيين بالدور الضابط للساحة الإقليمية.

بسرعة، يتفلت الاقليم من يد الأميركيين، فتبدو روسيا جاهزة لاستلام زمام المبادرة على قاعدة التعاون مع الدول، والتنسيق التجاري والصناعي والزراعي، في دورة متكاملة. فالاولوية عند الشعوب اصبحت معيشية، لا عسكرية. وهذا ما يُبدع به الروس.