إنه آذار، شهر الربيع، وفي الحكايات: إنه "آذار أبو السبع تلجات كبار، ما عدا الزغار". وهذه الحكاية تنطبق في السياسة أيضًا حيث هناك "ثلجات" كما هناك "كرات نار"، ومناسبات آذار تعود بالزمن ثلاثين عامًا كما تعود بالزمن 14 عامًا إلى الوراء.

هكذا، لكلٍّ آذاره، ولكلٍّ حكايته في آذار:

رئيس الجمهورية العماد ميشال عون له 14 آذار، تاريخ إعلانه "حرب التحرير".

وكان ذلك في آذار من العام 1989.

وللشعب اللبناني آذاره في 14 آذار 2005، تاريخ نزوله الى الارض والمطالبة بثلاثية: "حرية سيادة استقلال". إنها الثورة المليونية الأولى في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر الذي نزل بها الشعب الى الأرض، ولم يتقدمه إلا... الشعب، السياسيون "استلحقوا حالهم" في ذلك اليوم العظيم... فكان العلم اللبناني في الطليعة ومرفوع الرأس، ولم يتقدمه لا علم حزبي ولا صورة سياسي.

كان ذلك برعم الاستقلال الحقيقي، لكن، وللأسف وللأسف وللأسف، ضاع الإنجاز من الشهور الأولى... داسوا على البرعم من خلال المحاصصات الإنتخابية، فالشعب الذي خرج كالمارد من القمقم، أعادوه إلى صندوقة الإقتراع.

وبين الخروج من "القمقم" والدخول في "الصندوق"، عاد الزمن سريعًا إلى الوراء، ولم يهنأ الشعب بما حققه بل "سُرِق منه" الحلم وترجمة الحلم، وها هو الشعب اللبناني اليوم يدفع الثمن بسبب صدقه وبسبب رياء السياسيين.

حلم الشعب بالاستقلال فاعادوه الى وصاية العوَز والحاجة والتفتيش عن سعر الدواء والموافقة على دخول المستشفى والقدرة على تأمين قسط المدرسة واللهاث وراء توفير فاتورة المولِّد، والإختناق من التلوث والنفايات، والتوتر بسبب عجقة السير. ولسان حاله يقول: "بأي حال عدتَ يا 14 آذار"؟

***

يتطلَّع الشعب اللبناني بأسف وأسى إلى ساحة الشهداء، فيراها كتلة من الباطون بعدما كانت كتلة بشرية في 14 آذار 2005. فما هذا المصير المشؤوم؟ وما هذا القدَر اليائس والبائس؟

***

بين 14 آذار 1989 و14 آذار 2005 و14 آذار 2019، عاد البلد قرونًا الى الوراء.

"دخل على الخط" آذار السوري... آذار 2011، حين اندلعت الاحداث في سوريا وما زالت مستمرة حتى اليوم، ولبنان يتأثر بهذا "الآذار الجديد" الذي دخل في المفكرة اللبنانية إلى جانب "الآذارات اللبنانية".

تأثُّر لبنان من باب انعكاسات الاحداث السورية التي دخلت عامها التاسع منذ يومين، مخلِّفةً ما يقارب الـ 400 ألف قتيل وستة ملايين نازح خارج سوريا بينهم مليون ونصف مليون في لبنان، إلى جانب الاردن ومصر والعراق وتركيا.

لبنان بهذا المعنى لا يستطيع ان يستمر في دعم المليون ونصف مليون نازح الذين يشكلون مع اللاجئين الفلسطينيين ما يوازي نصف عدد سكان لبنان المقيمين. ولهذا يلجأ لبنان الى الدول المقتدرة لمساعدته على تأمين عودة النازحين الى بلدهم وكذلك تأمين المساعدة لهم حيث هم، إلى حين عودتهم.

إنطلاقا من هذا الواقع كان مؤتمر بروكسيل الذي دعا إليه الاتحاد الاوروبي وهو من أكبر مقدمي المساعدات الإنسانية للسوريين داخل وخارج سوريا، والسبب في هذا "السخاء" هو الخشية من تدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى أوروبا.

مساهمة الدول الاوروبية بلغت نحو ملياري يورو. لكن هذه المساهمة جاءت في إطار "التعهد" وليس في إطار "الصرف الفوري"، ما يعني ان هناك آلية معقدة لتبدأ الأموال في الوصول، وهي، إنْ وصلت، فستكون عبر المنظمات الدولية، وبعض الوزارات ولكن من ضمن تشدد في مراقبة طريقة الصرف.

***

حتى مع "التعهد بالمساعدة"، يبقى "الاشتباك الديبلوماسي" بين لبنان والاتحاد الاوروبي، فلبنان يريد عودة كريمة وآمنة للسوريين، فيما الاتحاد الاوروبي يضيف اليها "عودة طوعية"، وهذه الإضافة يرفضها لبنان.

كما يرفض لبنان تمويل "فرص العمل" للسوريين، لأن هذا التمويل يشكِّل حافزًا لهم للبقاء في لبنان.

***

هكذا يعيش لبنان "أكثر من آذار" بكل تبعاته، فمتى الخلاص؟

هل مَن يملك جوابًا؟